Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Economie, Education - formation., Géostratégie

تونس، بمنظار صندوق النقد الدّولي. القادمُ اعظم، إذا لم يَسْتَبِقْهُ تغيير ثوري. الطاهر المعز

الطاهر المعز 

تتمثل مهمة بعثات خبراء الصندوق في زيارة البلدان (والإقامة بالفنادق الفاخرة على حساب الشعوب)، وجمع المعلومات الاقتصادية والمالية من الوزارات، وإجراء مناقشات مع المسؤولين الرسميين حول التطورات والسياسات الاقتصادية في البلد، قبل إعداد تقرير يعتمده الصندوق كاساس للتفاوض مع حكومات الدّول التي تطلب قُرُوضًا.

أشار صندوق النقد الدولي في تقريره ( World Economic Outlook )  « آفاق الاقتصاد العالمي » (06 نيسان/أبريل 2021) إلى وضع اقتصاد تونس (كما في بلدان كثيرة أخرى)  وإلى الآفاق التي يراها غير مُشْرقة، طيلة الفترة الممتدة بين 2021 و 2025، إذ لا يتوقع أن يتجاوز متوسّط النمو الإقتصادي (نمو الناتج المحلي الإجمالي) نسبة 2% حتى سنة 2025، وهي نسبة ضعيفة جدًّا، لا تُمكّن من استيعاب الوافدين الجُدُد على « سوق العمل »، في ظل ضُعف مُعدّلات الإدّخار، أو ادخار قسم من الثروة الوطنية لاستثماره في مشاريع مُستقبلية…

من جهة أخرى، تتواصل عملية انخفاض قيمة الدّينار التونسي مقابل العُمُلات الأجنبية التي تُقَوَّمُ بها صادرات وواردات البلاد، وكذلك دُيُونها المُرتفعة، ما يؤَدِّي إلى ارتفاع قيمة الواردات وانخفاض قيمة الصادرات وارتفاع حجم وقيمة الدّيون المتراكمة، ما يُؤدّي، في الحياة اليومية للمواطن (ة) إلى انخفاض قيمة متوسط الدّخل السّنوي للفرد، سنة 2025، مقارنة بمُتوسّط الدّخل الفَرْدِي لسنة 2015، حتى لو افترضنا ثَبات قيمة الدّينار، خلال هذه الفترة، بينما ترتفع حصة كل فرد من دُيُون الدّولة التي ما فَتِئَتْ ترتفع، إذ بلغت 87% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية أيلول/سبتمبر 2020. 

في ضوء هذه الآفاق القاتمة، بدأت مفاوضات حكومة تونس مع صندوق النقد الدّولي، منتصف شهر نيسان/ابريل 2021، للحُصُول على قَرْضٍ جديدٍ، سوف يتم إنفاقُهُ لسدّ عجز الميزانية (حوالي 5,6 مليارات دولارا متوقعة)، ولتسديد أقساط قُرُوض سابقة، بقيمة حوالي 4,5 مليارات دولارا، يحين موعد تسديدها سنة 2021.

يشترط صندوق النّقد الدّولي « استشارة المجتمع المدني والنقابات وكافة الأحزاب »، قبل الموافقة على القُرُوض، بهدف توريط الجميع في عملية رَهْن البلاد عبر التّدايُن، ولتقليل احتمال الإعتراض، وبهدف القضاء على المَخاطر (أي النضالات الإجتماعية والشعبية) التي من شأنها عَرْقَلَة تنفيذ سياسات الحكومة، التي يُشرف عليها الدّائنون، وفي مقدّمتهم صندوق النّقد الدّولي، كما يشترط صندوق النقد الدّولي، كعادته، خفض الإنفاق الحكومي وخصخصة المؤسسات والمرافق العمومية وخفض سعر صرف العملة المَحَلِّية، ويُطلق خبراء الصندوق على هذه السياسة الإقتصادية الإنتحارية عبارة « تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق »، وتتضمن هذه « الإصلاحات »، توجيه المال العام للشركات الخاصة، بدل دعم السلع الأساسية ودعم الفُقراء وصغار المُزارعين، ويُشدّد الصندوق على « تحسين مناخ الأعمال »، وعند البحث عن مفهوم هذه العبارة نجد أوامر الصندوق ب »ضرورة تشجيع القطاع الخاص، بهدف زيادة النمو و خلق الوظائف، وإلغاء الاحتكار » (كأن الإحتكار والمضاربة، ممارسات دَخيلة أو غريبة عن الرأسمالية !!!).

وافق صندوق النقد الدولي في شباط/فبراير 2021، على إقراض حكومة الإخوان ورجال الأعمال وجناح من الدّساترة، مبلغ 745 مليون دولار « لمواجهة فيروس كورونا »، ويُخصص الجزء الأكبر من القرض ل »دعم الشركات المتضررة من الأزمة »، ويُحاول الإعلام الحكومي إخفاء هذا الجانب والتركيز على هو « دعم (مُفْتَرَض) للقطاع الصحي ولشبكات الضمان الاجتماعي »، وكانت بعثة صندوق النقد الدّولي قد أقامت بتونس (على حساب المواطنين التونسيين)، في بداية سنة 2021، وقدّمت تقريرًا، نشر موقع الصندوق (26 شباط/فبراير 2021) موجزًا له، يتلخص في مجموعة ملاحظات عن وضع اقتصاد البلاد، منها انكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة قدرها 8,2% سنة 2020، ما أدّى إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 16,2% (بنهاية أيلول/سبتمبر 2020)، وسوء استخدام العمال والنساء والشباب (ماذا تَبَقّى من قُوة العمل إذًا؟)، وأدّى الوضع السّيّء إلى وقوع احتجاجات اجتماعية، فيما بلغ عجز المالية العمومية 11,5% من إجمالي الناتج المحلي، رغم انخفاض العجز الجاري، بفضل تحويلات العاملين التونسيين بالخارج وانخفاض الواردات، مقابل انهيار عائدات الصادرات والسياحة، كما انخفضت إيرادات الدّولة من الضّرائب والرُّسُوم، بسبب انهيار النشاط الإقتصادي ودخل الشركات والمواطنين، ولجأت الدّولة إلى « حل بديل » لتعويض هذا الإنخفاض، يتمثل في خَفْض نفقات الإستثمار (أي تأجيل أو إلغاء المشاريع التي كانت مُقَرّرة) وخفض الدّعم، وخاصة دعم الطاقة، في ظل انتشار الفقر والهشاشة، وانخفاض دخل المواطنين الذين أصبحوا في حاجة ماسّة لما تَبَقّى من الدّعم. 

أوردنا في فقرة سابقة بيانات عن انخفاض متوسّط الدّخل الفردي، وارتفاع حصة المواطن التونسي من الدّيُون التي لم يستفد منها، وهي بيانات أوردها تقرير صندوق النقد الدّولي، الذي يُؤكّد في نفس التّقرير على « أولوية وضرورة خَفض كتلة الأُجُور، وإلغاء دعم الطاقة »، وكأن رواتب المُدرِّسين وموظفي البلديات والدّولة (باستثناء كبار الموظفين والمُستشارين والمُديرين) مرتفعة جدًّا، وجب خفضُها، وتوجيه المال العام (من ضرائب هؤلاء الموظّفين) إلى الشركات الخاصة، المحلية والأجنبية.

تمكّنَ صندوق النقد الدّولي، بفضل القُروض وشروطها كالإطلاع على كافة وثائق الدّولة، من إنشاء قاعدة بيانات ضخمة، أهم وأَثْرَى من قاعدة بيانات الأمم المتحدة، وأورد موقع الصندوق، بمناسبة أصدار تقرير « آفاق الإقتصاد العالمي 2021 » (06 نيسان/ابريل 2021) عددًا من البيانات عن تونس، وأهمها:

قارب عدد سكان البلاد 12 مليون نسمة، منهم حوالي 1,2 مليون خارج البلاد (ويعتمد رقم المهاجرين على تقديرات)، وقُدِّرَ نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو 3323 دولارا سنويا، وأظهر التقرير ارتفاع عجز الميزانية إلى 7,3% من الناتج المحلي، وارتفاع الدَّيْن الخارجي إلى نحو 94,7% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلوغ قيمة خدمة الدّيْن الخارجي نحو 4,3 مليارات دولارا، بنهاية سنة 2020، وانخفاض نسبة معدّل الإلمام بالقراءة والكتابة، من حوالي 86%  سنة 2010 إلى 82,3% بنهاية سنة 2019، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الفقر الرسمية من حوالي 12,5% إلى قرابة 16% وارتفاع نسبة البطالة (الأرقام متضاربة، بين 15,5% و 18% بنهاية 2020) خلال عشر سنوات من حُكْم الإخوان المسلمين، وقد تفوق 20% سنة 2021، مع الإشارة إلى تضارب أرقام وبيانات صندوق النقد الدّولي مع بيانات البنك العالمي، في بعض الأحيان، رغم اعتماد كل منهما على جداول وأرقام مختلف وزارات ومكاتب الحكومة التونسية…

حصلت الحكومة التونسية في نيسان/ابريل 2012 على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 2,8 مليار دولار، على أقساط، لفترة أربع سنوات، وعجزت الدّولة عن تنفيذ شُرُوط الصندوق، فلم تحصل سوى على 1,6 مليار دولارا، لأن صندوق النقد يقسم القرض إلى أقساط (أو شرائح) يُقدّمها بالتّقسيط، بناء على ما يتحقق فعلا من تنفيذ شُرُوطِهِ.

انطلقت مفاوضات حكومة تونس مع صندوق النقد الدّولي، منتصف شهر نيسان/ابريل 2021، للحُصُول على قَرْضٍ جديدٍ، بعد فترة وجيزة من تخفيض وكالة « موديز » للترقيم السيادي لتونس من ب2 إلى ب3، مع آفاق سلبية، على ضوء انهيار كافة المؤشرات الإقتصادية، ولذلك اشترط صندوق النقد الدّولي « التزاما صارما ودقيقا من جميع الأطراف »، والمقصود ب »جميع الأطراف »: ائتلاف الأحزاب التي تُشكّل الحكومة والأغلبية النيابية، والإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء) واتحاد الفلاحين، واتحاد أرباب العمل (الصناعة والتجارة)، وأحزاب المُعارضة، بذريعة « توفير المناخ السياسي لتحسين الوضع الاقتصادي ».

وصلت الدّولة إلى حالة الإفلاس، خلال عشر سنوات، وأصبحت البلاد رهينة الإقتراض الخارجي من صندوق النقد الدّولي الذي يُهدّد بإغلاق باب الإقراض، إذا لم تُنفّذ الدّولة شُرُوطَهُ، لتغلق بقية المؤسسات المالية الدّولية والدّول الغنية باب إقراض تونس، لتصبح مُصنَّفَة « دولة عالية المخاطر » بالنسبة للدّائنين، ما يرفع نسبة الفوائد والعمولات على القُرُوض.

تتوقع موازنة تونس 2021 أن يصل الاقتراض إلى 7,2 مليار دولار، منها قروض خارجية بقيمة خمسة مليارات دولارا، وديون يحل أجلها سنة 2021، بقيمة تقارب 4,5 مليار دولار، كما أكّدت بيانات وزارة المالية تراجع النمو الاقتصادي بنسبة 8,8% سالبة، سنة 2020، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6,1%، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى ما يقارب 20%…

هذه جملة من الأسباب التي تُحتّم الثورة على الحُكّام الحاليين، أفرادًا وأحزابًا وطبقات وفئات اجتماعية، وهناك فئات اجتماعية عديدة تُناضل من أجل تحسين ظروف العيش، لكنها تحتاج إلى تنسيق فيما بينها وإلى بَوْصَلَة، أو برنامج، وإلى حُلُول عَمَلِيّة، أوّلها النّضال الجماعي والمُنَظَّم ضد الوضع القائم، لإرساء نظام بديل يخدم الكادحين والأُجَراء والفُقَراء، فهل توجد أداة ثورية لتنفيذ مثل هذا البرنامج؟

الطاهر المعز

Leave a Reply