Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Economie, Maghreb Arabe., Moyen-Orient, Palestine

شركة ”رندة“ التونسية: القصّة الخفية للتطبيع الاقتصادي مع ”إسرائيل“

بقلم محمد اليوسفي20 مارس 2021

من ميناء رادس في تونس وصولا إلى ميناء أسدود التابع لما يسمّى بدولة إسرائيل، تعبُر سنويا العديد من الحاويات المحمّلة بالكسكسي التونسي الذي يصنّع من قبل شركة رندة التونسية. مبادلات تجارية سريّة تشكّل أحد أوجه التطبيع الاقتصادي المسكوت عنه بين مؤسّسات تونسيّة وشركات صهيونيّة استفادت من غياب إطار تشريعي يجرّم مثل هذه العلاقات.

الكاتب : محمد اليوسفي

رئيس تحرير القسم العربي بموقع الكتيبة

“نحن معتادون على التصدير إلى ميناء أسدود (بالعبرية أشدود)”. بهذه العبارة المقتضبة حاول المسؤول على التسويق والتصدير في شركة رندة التونسية مهدي الجبالي طمأنة ممثلة شركة “ميدل ترايد” الإسرائيلية شيرلي غولوبوك وزميلها نير رونان بخصوص البضاعة التي تمّ الاتفاق عليها قصد تصديرها إلى الكيان الصهيوني.

كان ذلك في صائفة 2017 حينما حاولت ممثلة الشركة الإسرائيلية الاستفسار عن موعد وصول الشحنة وأسباب تأخرها على الرغم من مرور 17 يوما من تاريخ تحويل الأموال إلى حساب بنكي سرّي على ذمة أصحاب شركة رندة في الخارج بحسب ما ورد في مراسلات رسمية بين الطرفين. فقد تمّ الاتفاق بينهما خلال المفاوضات على أنّه من الأفضل تحويل المال من بنك خارج إسرائيل درءا لأي شبهات ممكنة قد تتسبّب في فضيحة لشركة رندة ذائعة الصيت في تونس التي باتت واحدة من أهم الشركات المزودة للسوق الإسرائيلية بمنتج الكسكسي.

في المنطقة الصناعية بئر القصعة من ولاية بن عروس جنوبي العاصمة تونس، وبعيدا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة بآلاف الكيلومترات، تنتصب شركة الصناعات الغذائية رندة أين يتم إنتاج مادة الكسكسي تونسي الصنع الذي بات يحظى بطلب مُلحّ في السوق الإسرائيلية، حيث لم تمنع العوائق السياسية والدبلوماسية توطيد أركان مثل هذه العلاقة.

يروي هذا التحقيق قصّة التطبيع التجاري بين شركة رندة التونسية التي تملكها مجموعة محسن الحشيشة، وهي واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في تونس في العقود الأخيرة، وبين شركات إسرائيلية. لم يحل قطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الجمهورية التونسية وما يسمّى بدولة إسرائيل منذ سنة 2000 في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية وغلق ما سميّ آنذاك بمكتب رعاية المصالح دون نجاح الكيان الصهيوني في إسالة لعاب بعض الفاعلين الاقتصاديين التونسيين الذين لا يرون غضاضة في تطبيع العلاقات الاقتصادية تمهيدا لتطبيع سياسي منشود.

كوشير بنكهة تونسية

هي مجموعة شركات تونسية متعددة النشاطات. ترجع بداياتها إلى 1960 تاريخ تأسيس المهندس محسن حشيشة لشركة مختصة في التجهيزات الهيدروليكية. عام 1971 أسس حشيشة شركة إنوبلاست لصناعة البلاستيك تلتها في الثمانينات والتسعينات تأسيس المجموعة لعدة شركات أخرى أهمها رندا (1987)، إلكتروستار (1993) وميكسال (1999). كما تعد المجموعة من المساهمين التاريخيين في بنك تونس العربي الدولي ومجمع تونس للتأمين.

دخول شركة رندة التونسية إلى السوق الإسرائيلية لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة لمجهودات مضنية بذلها القائمون عليها من أجل الحصول على رخصة الكوشير التي تتيح ترويج منتوج الكسكسي هناك. ففي سنة 2017 منح مركز الكوشير باداتز بيت يوسف الترخيص لمنتجات الشركة المذكورة لكي تتمكن من تسويقها، إذ يشترط أن تكون المواد الموردة من هذا القبيل متحصلة على شهادة الكوشير طبقا للشريعة اليهودية وفق معتقداتهم.

 مركز الكوشير باداتز بيت يوسف

وتفيد الوثائق التي تمكن موقع الكتيبة من الحصول عليها أنّ هذا الترخيص مؤرخ بتاريخ 4 جوان 2017. وهو يسمح للشركات الإسرائيلية على غرار “برو بلوس”، الكائن مقرها في مستوطنة أينات، بتوريد منتوج الكسكسي الذي يُصنّع من قبل شركة رندة في مقرّها بالمنطقة الصناعية بئر القصعة بن عروس في تونس، وتحديدا العلب من حجم 1 كلغ و5 كلغ.

 موقع الشركة الإسرائيلية برو بلوس

من المهم في هذا السياق الإشارة إلى أنّ الكوشير أو الكشروت هو الطعام الكوثر أي الحلال حسب الأحكام اليهودية مثل الحلال في الإسلام. ونظام الكوشير تشرف عليه الحاخامية في ما يسمّى بدولة إسرائيل. والحاخامية هي مؤسسة معترف بها من قبل القانون هناك باعتبارها سلطة الهالاخاه أي الفتوى، وهي أيضا تشكّل سلطة روحية.

الكوشير أو الكشروت هي كلمة عبرية تعني المُلائم والصحيح، وهو الطعام المحلّل أي المباح أكله في الشريعة اليهودية. وكي يعتبر المنتج الغذائي من الكوشير يجب أن تكون جميع مكوناته متطابقة مع تعاليم الكوشير. فإذا اشتمل على مكوّن ما، يخالف “شريعة الكوشير”، صار الطعام بأكمله مخالفا للشريعة وفق ما استقيناه من الأدبيات اليهودية.

باتت علامة الكوشير باعتبارها شرطا ضروريا، تدرّ على اليهود أموالا طائلة نظرا إلى أنّه يتعيّن على الشركات المصدّرة، مثل رندة التونسية، “الاجتهاد” حتّى تحظى بمباركة وموافقة الحاخامات.

في هذا الإطار، مكّنت شركة رندة عددا من الحاخامات اليهود من زيارة تونس في السنوات الأخيرة. من بين هؤلاء الحاخام اليهودي الكندي الإسرائيلي ليفي تيتلباوم الذي سبق أن زار تونس بدعوة من شركة رندة. وقد تسنّى لنا التأكد من ذلك بناء على مصادر في إدارة الحدود والأجانب بوزارة الداخلية التونسية.

كانت آخر زيارة قام بها الحاخام تيتلباوم إلى تونس، بحسب ما توفر لدينا من معطيات مؤكدة، في 6 نوفمبر 2018 عبر الخطوط الإيطالية قادما من مطار روما قبل أن يتّجه لاحقا إلى تل أبيب عبر نفس المسلك.

في ردّهم على إحدى المراسلات الواردة عليهم من ممثلة شركة ميدل ترايد الإسرائيلية، يُذكّر القائمون على قسم التصدير بشركة رندة التونسية بالآتي: 

من المعلوم أنّه لا يمكننا أن نصدّر إلى إسرائيل دون شهادة كوشير لذلك فإنّ إدارة الجودة لديها القدرة على وقف إنتاج الطلبية

يتعلق الأمر هنا بشهادة كوشير كان حاخام آخر يدعى مردخاي طرفا في الحصول عليها لتسهيل عملية إتمام الصفقة قبل إرسال البضاعة لفائدة الشركة الإسرائيلية ميدل ترايد، التي نتبين من خلال موقعها الرسمي على الانترنت أنّ عنوانها كائن بشارع هاشيكمه في مدينة أزور التابعة لمقاطعة تل أبيب.

Azor هي مدينة صغيرة في منطقة تل أبيب بإسرائيل ، على طريق يافا-القدس القديم جنوب شرق تل أبيب. تأسست في عام 1948 في موقع قرية يازور الفلسطينية المهجرة ، منحت أزور وضع المجلس المحلي في عام 1951.

من بئر القصعة إلى “إسرائيل”

تأسّست شركة الصناعات الغذائية رندة سنة 1987. وهي تمثل اليوم إحدى أهم الشركات التونسية في مجال تصنيع الكسكسي والمعكرونة. تتمتع رندة كغيرها من المؤسسات التونسية المختصة في هذا المجال باميتازات لإنتاج الكسكسي المدعّم والعجين الغذائي. ففي هذه المؤسسة الكائنة بالمنطقة الصناعية بئر القصعة، يتمّ صنع الكسكسي بأنامل تونسية لا يعلم أصحابها أن نسبة من المنتوج تُوجّه للتصدير نحو ما يسمّى بدولة إسرائيل.

يمرّ تصدير الكسكسي تونسي الصنع من قبل هذه الشركة إلى الكيان الصهيوني أساسا عبر فرنسا من خلال ميناء مرسيليا على وجه الخصوص. تكشف إحدى المراسلات بين شركة رندة والوسيط الاسرائيلي “ميدل ترايد” أنّ عملية الشحن انطلاقا من تونس تتمّ اعتمادا على عملية مخاتلة، إذ يتمّ تحميل الأكياس التي تكون في المقدمة دون استعمال شعار الكوشير باللغة العبرية في الملصقات.

 الموقع الرسمي لشركة ميدال ترايد التي تعد أحد أبرز الشركات الوسيطة لشركة رندة التونسية في الولوج للسوق الإسرائيلية

“ما يمكن أن نقترحه عليكم هو ألا تضعوا ملصقات (علامة الكوشير باللغة العبرية) في الصفين الأماميين من الحاوية. ولكن رجاء التثبت وإعلامنا بكمية الأكياس التي سيتم وضعها من الأمام.”

مقتطف من مراسلة موجهة إلى شركة رندة التونسية من قبل ميدل ترايد الإسرائيلية

بهذه الطريقة دأبت شركة رندة على تصدير جزء من منتوجها المتعلق بمادة الكسكسي إلى السوق الإسرائيلية أين بات يحظى برواج كبير. فبين 2017 و2019 على وجه الخصوص، قبيل أزمة الكورونا، أضحت شركة رندة تصدّر ما يناهز 6 حاويات كبيرة شهريا إلى الكيان الصهيوني بوساطة من شركة تحمل اسم “سوديك” عبر ميناء مرسيليا الفرنسي بحسب مصدر حبّذ عدم الكشف عن هويته للعموم في هذا التحقيق.

تطرح علاقة شركة رندة التونسية بالشركات التجارية الاسرائيلية عديد التساؤلات بخصوص كيفية مرور هذه البضائع دون تفطن جهاز الديوانة (الجمارك) إلى ذلك، رغم أنّه من المفترض أن يتم التحرّي جيدا في كلّ البضائع. حتّى وإن كانت الشركة المعنية تعتمد طريقة ذكية للإيهام بأنّ البضائع التي توضع في مقدمة الحاوية لا علاقة لها بالوجهة المرسلة إليها.

مصدرنا السابق ألمح في هذا السياق الى امكانية وجود شبهة تواطؤ من قبل بعض الأشخاص في سلك الديوانة من الذين يغضون الطرف عن هذه العمليات التي تقوم بها شركة رندة. فرضية لم يتسنّ لنا نفيُها أو تأكيدها.

من الأمام سيكون هناك 121 علبة بالنسبة الى حاوية (كيس) من صنف 1 كلغ. بالنسبة الى صنف 5 كلغ، سيكون هناك بين 250 و 260 كيسا في المقدمة. وبالنسبة إلى الطريق فنحن معتادون على التصدير إلى ميناء أشدود.

مقتطف من مراسلة موجهة إلى شركة رندة التونسية من قبل ميدل ترايد الإسرائيلية

الكاتب : محمد اليوسفي

المصدر

Leave a Reply