Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Economie, Education - formation., Lutte de libération nationale., Questions internationales.

جَرْد أو فَحص جُزئي للوضع في تونس، بعد عشر سنوات .الطاهر المعز

الطاهر المعز

تقديم:

تحتوي بعض هذه الفقرات على تفاصيل قد تكون مُمِلّة لجزء من التونسيين أو المُتابعين، ولكنها ضَرُورية لغير التونسيين أو غير المتابعين للوضع باستمرار، وهي تفاصيل تُذْكَرُ للتّاريخ ( مثل تحالف مكونات لجنة 18 اكتوبر 2005، الذي يضم الإخوان وقوى تقدمية وديمقراطية)، في حال تظاهر البعض بنسيانها.

لم يُشارك الإخوان المسلمون ( حزب « النهضة »)، بل أصدرت قياداتهم تعميمًا (مَرْسُومًا) بعدم المُشاركة في انتفاضة 2010/2011، ولكنهم كانوا يُشكّلُون قُوَّةً مُنظّمة تحظى بثقة الإمبريالية الأوروبية والأمريكية التي لم تتشكّل حُكُومة واحدة، منذ 14 كانون الثاني/يناير 2011، دون موافقتها، أو دون مراعاة مصالحها، وروّجت ومنحت وسائل الإعلام، التي تصنع « الرّأي العام » صفات إيجابية حميدة للإخوان المسلمين الذين أصبحوا يُنْعَتُون ب »الإعتدال » وب »الديمقراطية »، وغير ذلك من الخصال التي يفتقدونها، وساعدت بعض قُوى اليسار في خلق هذه الصّورة الإيجابية عن التّطوُّر المزعوم للإخوان المسلمين في مجالات حقوق الإنسان والمساواة، فكانت هذه « الثّقَة » الإمبريالية أحد أسباب تلميع صورة الإخوان في الوطن العربي، وفوزهم بثقة المواطنين في انتخابات عامة (أشرف على تمويلها وإدارتها الإتحاد الأوروبي في تونس) جرت في مصر وتونس والمغرب، والمشاركة في سلطة اليمن وليبيا والسّودان…

بعد عشر سنوات على فرار الرئيس الأسبق « زين العابدين بن علي »، تدهور وضع الحُرّيات العامة والفَردية، رغم الصّورة المُزَيَّفَة التي يُروّجها الإعلام العالمي السّائد بشأن النعيم الدّيمقراطي الذي يغمر التونسيين، الذين ساء وضعهم الإقتصادي، بتراجع النمو وارتفاع قيمة الدّيون الخارجية للبلاد (التي أدّت في القرن التاسع عشر إلى تبرير استعمار البلاد) ولم يقع تطوير الموارد المَحَلِّيّة، فالدّائنون يفرضون نمط التنمية، وبالنسبة للمواطن، وخاصة لفئة الشباب، لم تعمل الحكومات المتعاقبة على توفير حلول لمشاغلهم، ومنها البطالة التي ارتفعت نسبتها إلى حوالي 20% من القادرين على العمل، وإلى أكثر من 35% في أوساط الشباب، وارتفعت معها نسبة الفقر إلى 15% من سكان المُدن الساحلية، وإلى أكثر من 40% في المناطق الداخلية، وغربي البلاد، حيث انطلقت انتفاضة 2010/2011، بحسب المعهد الوطني للإحصاء (بيانات نهاية الربع الأول من سنة 2020)، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المواد والخدمات الأساسية، وزادت حدّه أزمة الاقتصاد مع التداعيات السلبية لجائحة « كوفيد 19 » التي أضرّت بدَخل وصحة ثُلُث المواطنين تقريبا، وعرفت البلاد (كما بلدان أخرى عديدة) رُكُودًا ثم انكماشًا اقتصاديا غير مسبوق، ساعد نمط التنمية، المُتّسم بالتّبعية الإقتصادية، في إغراق البلاد والعباد في أزمة غير مسبوقة أيضًا.

انطلقت جولة الإحتجاجات الأخيرة، بمناسبة الذكرى العاشرة لانتفاضة 2010/2011، في هذا المناخ الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، ويحاول الإخوان المسلمون الإستئثار بالحكم ك »غنيمة » (رَبّانية؟)، مع التّنصّل من مسؤوليتهم عَمّا آلت إليه أوضاع البلاد من فساد ومن تعميق الفَجْوة بين الطبقات…

ظروف سيطرة الإخوان المسلمين على السّلطة في الوطن العربي

لم تكن قيادات الإخوان المسلمين، على صعيد دولي، أو على صعيد محلِّي، تمتلك وضُوح رؤية يجعلها تُقدِّرُ عواقب وَهَن ثم انهيار الإتحاد السوفييتي، وتفرّد الإمبريالية الأمريكية بالقرار في ظل هيمنة القُطب الواحد، فاتخذت موقفًا مُعارضا للعدوان الأمريكي على العراق، بداية سنة 1991 (بدعم من الإتحاد السوفييتي، خلال فترة حُكْم بوريس يلتسين (آخر رئيس لمجلس السوفييت الأعلى آنذاك، قبل الإنهيار الكامل للإتحاد السوفييتي ببضعة أشهُر) وشاركت قواعد الإخوان المسلمين في التنديد بالعدوان، ما أدّى إلى رفْع الدّعم السّعودي والأمريكي عنهم، لكن تقارير مكاتب الدّراسات الأمريكية والمنظمات شبه الحكومية مثل « هيومن رايتس ووتش » ومجموعة « الأزمات الدّولية »، وتَحَوُّل مشيخة قَطَر إلى ناطق باسم الإخوان المسلمين، منذ انقلاب « حَمَد » على أبيه « خليفة آل ثاني »، سنة 1995، بدعم من المخابرات الفرنسية، وغيرها من الأسباب التي جعلت بعض مؤسسات الدّولة الأمريكية، وكذلك الأوروبية، تعتبر تيار الإخوان المسلمين « معتدلاً » و »ديمقراطيا »، لأنه مُعادي للإشتراكية (كفكرة ومبدأ وعقيدة وتطبيق)، ويدافع عن الملكية الفردية وعن الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي (أو ما يُسَمّى « المُبادرة الحُرّة »)، أي يمكن استخدام هذا التّيّار لخدمة مصالح الإمبريالية، فصنّفت الولايات المتحدة، بعد انفجارات أيلول/سبتمبر 2001، الإخوان المسلمين ك »إسلام سياسي مُعتدل »، مقارنة بالإسلام السياسي المُسلّح.

هيمن الإخوان المسلمون على السلطة في تركيا (عضو حلف شمال الأطلسي وحليف الكيان الصهيوني)، خلال الرّبع الأخير من السنة اللاحقة (2002 )، واتفقت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية على تصنيف حزب « العدالة والتنمية » الإخواني التركي الحاكم « نموذجًا للإسلام السياسي المعتدل »، إلى جانب ماليزيا أو إندونيسيا، أحيانًا، والإخوان المسلمين بديلاً، زائفًا أو مُخادعًا، للأنظمة العربية (والإسلامية) الكُمْبرادورية (وكيلة مصالح الشركات والدّول الأجنبية )، بهدف استدامة الهيمنة الإمبريالية، مع إيهام الشعوب بحصول تغيير جوهري وليس شكلي.

بعد بضعة أشهر، خلال سنة 2003، احتلت الإمبريالية العراق، ودمرت البلد، بالتحالف مع أنظمة عربية عديدة، وفي مقدّمتها مصر ومَشْيَخَات الخليج 

سنة 2005، تحالفت بعض فصائل اليسار العربي مع الإخوان المسلمين (تونس ومصر وسوريا)، بدعم مُعْلَن من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، بالتّوازي مع الحوار المُعْلَن بين السلطات الأمريكية وقيادات الإخوان المسلمين، وسماح النظام المصري ( بضغط أمريكي) بمشاركة الإخوان في الإنتخابات النيابية تحت شعار « الإسلام هو الحَلّ ».

في السنة الموالية (2006)، مع تغيير بعض التكتيكات الأمريكية في العراق المُحْتَلّ، لإظهار العدوان والإحتلال الأمريكي للبلاد في صورة حرب أهلية داخلية، شارك الإخوان المُسلمون (الحزب الإسلامي) في حكومة التعاقد من الباطن، حكومة « نوري المالكي » التي تُديرها وتشرف على أدائها قوات الإحتلال الأمريكي…

لم تتغير هذه المخططات الأمريكية بتغيير الرئيس والأغلبية النيابية، من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي، سنة 2007، ودعمت السلطات الأمريكية وصول الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم (أو مشاركتهم) في تونس ومصر والمغرب وليبيا واليمن، سنة 2011، خصوصًا بعد إعلانهم الصريح الإعتراف بالكيان الصهيوني، بل وإقامة علاقات « طبيعية » معه، ولذلك عملت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية على تدريبهم وتسليحهم (بتمويل خليجي) في سوريا، مع قوى إرهابية أخرى، وتفويض جزء من مهام الإمبريالية إلى تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، والتي لها أيضًا برامجها ومصالحها كدولة، وظهر ذلك عندما زار رئيس حكومتها، أردوغان (أيلول/سبتمبر 2011) البلدان العربية التي يحكمها الإخوان المسلمون بدعم أمريكي (مصر وليبيا وتونس)، قبل أن يتغير ميزان القوى داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، وعلى المستوى الدّولي، منتصف 2013، عندما استفاقت روسيا للدفاع عن مصالحها (التي فَرّطت بها في العراق وفي ليبيا)، عبر دعم النظام السّوري، ضد المجموعات الإرهابية.

من دواعي الغضب:

أشَرْنا في المُقدّمة إلى بعض مؤشّرات تدهور الوضع، وتُشير جميع الدّلائل إلى استمرار التّدهور، لسنوات لاحقة، إذ لم يَتمّ وَضْعُ حدّ للسياسات الإقتصادية والإجتماعية الحالية، التي دفعت شباب الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى، وشباب المُحافظات الرّيفية إلى الإحتجاج، ولخّص أحد الشّبّان (من حي « التّضامن »، بضواحي العاصمة تونس) لقناة أوروبية، أنه تظاهر قبل عشر سنوات من أجل الشغل والحرية والكرامة، ولم يتحقق شيء من ذلك، فعاد للتظاهر بعد عشر سنوات، لأنه، مع جائحة « كوفيد 19″، ووضع البطالة، طويلة المدى، لم يعُدْ يجد ما يأكل في البيت، وهذا حال جميع المتظاهرين، ما يُعلّل عمليات نهب المحلات التجارية وسرقة الغذاء وبعض المواد الضّرورية، وكان عُنف الشرطة ومليشيات الحزب الإخواني الحاكم (النهضة) حديث الجميع، حيث وقع اعتقال ما لا يقل عن ألف شاب، خلال عشرة أيام، من بينهم مئات القاصرين، وقع اختطاف بعضهم (من شباب المنظمات اليسارية) ليلاً من محل إقامتهم أو من الفضاء العام، بدون مُبرّرات قانونية.

احتشد آلاف المتظاهرين، رغم إغلاق الشرطة مداخل العاصمة وشوارعها وساحاتها، في الذكرى الثامنة لاغتيال « شكري بلعيد »، أمام منزله (السادس من شباط/فبراير 2013 – 2021) وعكست الشعارات غضب المواطنين بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتكتّم الحكومة وقيادات الإخوان المسلمين عن منفّذي الاغتيالات السياسية، وتندد العديد من الأحزاب والمنظمات بتوغل حركة النهضة في كافة دواليب الدّولة، وبإفلات قادتها من العقاب، وبإرسال أبناء وبنات الفُقراء إلى سوريا وليبيا، للمساهمة في تخريبها إلى جانب قوات حلف شمال الأطلسي، والمجموعات الإرهابية، التي تدرّبت لدى الإخوان المسلمين، قبل أنم تُنْشِئ مجموعات أخرى، تنهل من نفس العقيدة التي بَلْورَها « سيّد قُطب »، أحد القادة التاريخيين لتيار الإخوان المسلمين، في مصر وفي العالم.  

أما المظاهرات اللّيْلِيّة التي انطلقت بمناسبة الذكرى العاشرة لانتفاضة 2010/2011، فقد مثّلت ردّ فعل جماعي على قرار الحجر الصحي الشامل، وحظر التجوال، الذي لم يكن مرفوقًا بإجراءات لمساعدة الفُقراء، ولذلك تتلخص مطالب المتظاهرين في « التشغيل والحُرّية والعدالة الإجتماعية والمُساواة »، وشكلت هذه الإحتجاجات – التي جابهتها الدّولة بالقمع والعُنف الشديد والإعتقالات-  ذروة المظاهرات المُستمرة ضد السياسات الطبقية للحكومات المدعومة من الإخوان المسلمين ومن صندوق النقد الدّولي، وهي حكومات غير قادرة، بحكم مصالح الطبقة التي تُمثّلها، على الإعتراف بفشلها، ولا على الإساجابة لمطالب الكادحين والفُقراء والمُعطَّلين عن العمل.  

رصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أكثر من 7600 تحرك احتجاجي سنة 2020، رغم الحجر الصحي والحبس المنزلي، مقارنة ب9091 احتجاجا سنة 2019، ومعظمها في المحافظات التي انطلقت منها احتجاجات 2010/2011 ( قفصة والقيروان وسيدي بوزيد، ثم العاصمة تونس، بالترتيب)، وذكرت منسقة « المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية » أن « الوضع الحالي والاحتجاجات الليلية تذكرنا بأواخر 2010 وبداية 2011، فالاحتقان الاجتماعي مرتفع، والوضعية الاقتصادية والاجتماعية صعبة، وهشاشة الوضع العام والضبابية السائدة في مثل هذه التحركات، وهو ما يفسر مشاركة الشباب والقاصرين، الذين ينقطع مائة ألف قاصر منهم عن الدراسة سنويا، ليخرجوا عن سيطرة الأسرة التي تجابه ارتفاع الأسعار وصعوبات العيش، وعن سيطرة المؤسسات الحكومية، وهم يعانون من التهميش وغياب الإحاطة ويعرضون أنفسهم لخطر الغرق في البحر الأبيض المتوسط، خلال عمليات الهجرة غير النظامية… إن أغلب المناطق التي خرجت منها التحركات الليلية هي مناطق مهمشة، بنسبة بطالة عالية، ويحاول سُكّانها العمل في مجالات البناء والمطاعم والمقاهي وغير ذلك من القطاعات التي كانت ضحية الحجر الصحي والإغلاق، فبقي أغلب السكان مُعَطَّلين عن العمل، وفي حاجة ماسّة لجمع القوت والغذاء اليومي، وبذلك اجتمعت عدة عوامل ليتعفن المناخ الإجتماعي، فالمواطن يلاحظ مظاهر الثراء السريع لدى قيادات حزب الإخوان المسلمين الحاكم، خصوصًا في ظل قرارات الحَجْر الصّحي وإغلاق العديد من القطاعات، التي أدّت إلى حرمان الفُقراء والعاملين باليوم والمُهمّشين من البحث عن عمل مؤقت في القطاع الموازي، فالهشاشة الاقتصادية وسوء إدارة الحكومات المتعاقبة للشأن العام، وللإقتصاد أنتجت حقدًا طبقيًّا وعداوة للسلطة، دون توجيه من طرف سياسي بعَيْنِهِ، وأظهرت دراسة نشرها « منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية » (تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، أي قبل انطلاق الإحتجاجات، أن أكثر من 83% من سُكّان الأحياء الشعبية بضواحي العاصمة، يعتبرون المجتمع طبقيا غاب عنه مبدأ المُساواة، ويعتبر حوالي 70% منهم أن الدولة لا تُلَبِّي الحاجيات الأساسية للمواطنين، ويعتقد 76,4% أنّ الدولة وطبقة الأثرياء لا تكترث بحياة وبمصير المحرومين، وتعتبر نسبة عالية من المواطنين (من 76% إلى أكثر من 84% ) أن الدولة تمارس العنف ضد الفقراء ولا تُساعدهم، ولا تكترث بحياتهم، ولا تهتم بالمشاكل الحقيقية للنّاس، وأن المجتمع طبقي وغير منصف…

البرنامج الإقتصادي للإخوان المسلمين:

لا يختلف البرنامج الإقتصادي للإخوان المسلمين عن برنامج الدّساترة (نسبة إلى حزب الدّستور الذي حكم البلاد منفردًا من 1956 إلى 2010) الذي انتفضت الفئات الشعبية والكادحة والمُهمّشَة ضدّه وضدّ نتائجه، بنهاية سنة 2010 و بداية سنة 2011، ما عَمّق الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، ورفَعَ نِسَبَ الفقر إلى معدل 15,5% على الصعيد الوطني وإلى 40% في بعض مناطق البلاد الفقيرة، ونسبة البطالة إلى 19% بحسب تصريحات نقَلَتها صحيفة « ذا غارديان » (06/02/2021) عن اقتصاديّين داعمين لسياسات الحكومة، وتراجع نمو الإقتصاد ليُصْبح سلبيًّا ( ناقص 10,5% ) سنة 2020، وقُدّرت الوظائف المُلغاة بحوالي سبعمائة ألف وظيفة، بسبب توقف حركة الإقتصاد والصّادرات والتجارة، ولا يتوقع المعهد الوطني للإحصاء تحسن الوضع الإقتصادي والإجتماعي، سنة 2021، ولم تُظْهر الحكومة أو نواب البرلمان أو أحزاب الإئتلاف الحاكم أي استعداد لبحث أو دراسة بدائل لنمط التنمية الفاشل، والإستجابة لمطالب سُكان المناطق الفقيرة، والفئات التي انتفضت ومَكّنت الإخوان من الإستيلاء على السّلطة، وأقر المُشاركون في ندوة نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل (منظمة نقابية) في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير 2021، بعنوان « عشر سنوات للثورة أي آفاق لتجاوز الأزمة »، بمشروعية مطالب المُحتجّين، نظرا لعدم حصول تغييرات إيجابية، ما يُبرّر الإحتجاجات التي عَمّت البلاد، وتحميل الحكومات المتعاقبة مسؤولية الفشل في الاستجابة لها…

أشارت التقديرات الأولية لمشروع ميزانية الدولة لسنة 2021 أنها سوف تفوق 19 مليار دولارا بقليل، وتحتاج الحكومة لاقتراض ما بين 6,5 و 7,2 مليارات دولارا خلال نفس السّنة ( ظهر فيما بعد أن الحكومة تبحث عن مبلغ يفوف ما أعلنتْهُ) خلال نفس السّنة، في حين يعيش معظم المواطنين وضعًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا غير مسبوق، ما يُعلّلُ ارتفاع حجم ورُقعة الإحتجاجات، بسبب الأوضاع المتردية، في كل المجالات، وتدَهْوُر مستوى العيش.

بعد عشر سنوات، تتكرّر احتجاجات الفُقراء، بعد توسيع الإتلاف الطّبقي الحاكم، ليشمل الإخوان المسلمين والدّساترة ورجال الأعمال، لكن تعامل أجهزة الدّولة (الشرطة والقضاء والإعلام) مع الفُقراء ومع المتظاهرين لم يتغيّر، لأن جهاز الحكم لم يخرج من سيطرة فئات البُرجوازية الكُمبرادورية (التي ترتبط مصالحها بالشركات والدّول الأجنبية، وتلعب دور وكيل مصالحها بتونس)، وبقيت الدولة والثروات الوطنية والمال العام، وسيلة للإرتفاع القياسي السّريع لثروات رُمُوز السّلطة، في تناقض صارخ مع ارتفاع معدل بطالة الشباب، دون سن ال25 سنة ليبلغ نحو 35,7% بنهاية سنة 2020، ولن يتحسن الوضع ما دامت الإئتلاف الطّبقي الحاكم يُطَبّقُ أوامر صندوق النقد الدولي، من خفض الإنفاق العام، وإلغاء دعم السّلع والخدمات الأساسية، وخصخصة ما تَبَقّى من القطاع العام، وزاد انتشار وباء « كوفيد 19 » الطّين بَلّة، بسبب إجراءات الحَجْر والإهمال الصحّي والحبس المنزلي والإغلاق وما سبّبَهُ من التسريح الجماعي…

ارتفعت قيمة الدّيْن العام الخارجي، من حوالي 38% من إجمالي الناتج المحلي، بنهاية سنة 2010، إلى نحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2020، ويُتوقّع أن يرتفع إلى أكثر من 91% سنة 2021، وبلغت حصّة سداد الدّين 30% من ميزانية العام 2021، بحسب البيانات التي أوردتها « هيئة الحقيقة والكرامة »، وأصبح الدّائنون (صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والإتحاد الأوروبي، وغيرهم ) يُشرفون على برنامج الحكومات المتعاقبة، وعلى السياسة الإقتصادية والإجتماعية للدّولة، وهي نفس السياسات التي تظاهر ضدّها المواطنون سنة 2010، وكذلك بمناسبة مرور عشر سنوات على الإنتفاضة…

فقدت الدّولة سيادتها على البلاد وثرواتها، بسبب ارتفاع الدُّيُون المَشْرُوطة باتخاذ إجراءات ضد العاملين والفُقراء، وإلغاء دعم أسعار المواد الغذائية والمحروقات والنّقل، وارتفاع الأسعار، بالتوازي مع انخفاض قيمة الدّينار، وخفض عدد الموظفين الحكوميين، عبر عدم توظيف عاملين لتعويض المُتقاعدين، وتحويل الخدمات الضرورية، كالتعليم والصّحة، إلى سلعة لا يستطيع الحصول عليها سوى من يمتلك المال لتسديد الثّمن. أمّا الدّيُون فإن الكادحين والفُقراء لم يستفيدوا منها، بل عانوا من شروطها المجحفة، فيما قبضت الأطراف الدّائنة أضعاف المبالغ الأصلية، وما على الحكومة سوى رفع قيمة الضّرائب على الثروات والرواتب المُرتفعة، والحَدّ من التّهَرُّب الضّريبي، ومن تهريب الأموال، لكي تتمكّن من الإنفاق على الخدمات الضّرورية للمواطنين كالصحة والتعليم والمَسْكِن ودعم القطاعات المُنْتِجَة كالفلاحة، مع تجميد الإنفاق على السلاح غير الدّفاعي وعلى أجهزة القمع المتضخّمة…

لم تختلف برامج الإخوان المسلمين عن برامج حزب الدّستور، بل يبدو أن الأجيال القادمة سوف تُعاني من تسديد الدّيُون التي لم يستفد منها جيل الآباء والأجداد، ولم يقع إنفاقها على برامج التنمية، بل لتسديد قروض سابقة، ووَجَبَ على الدّولة، التي يُهيمن عليها إخوان الإمبريالية، تسديد دُيُون بقيمة 5,3 مليارات دولارا، سنة 2021، بزيادة 1,6 مليار دولار عن سنة 2020، وبالمقابل سوف تقترض 7,2 مليارات دولارا، منها 2,2 مليار دولار من السّوق المالية المحلّيّة، ونظَرًا للوضع السّيّء للإقتصاد التونسي، فإن نسبة فائدة القروض الخارجية قد تصل إلى 12% ( بدل متوسط 3,5% خلال فترة حُكم زين العابدين بن علي 1987 – 2010 ) ويتم تسديد القُروض خلال فترة لا تتجاوز سبع سنوات، بسبب السّمعة الإقتصادية السّيّئة للدّولة التي وصلت إلى حالة الإفلاس، وطلب إعادة هيكلة الدّيون الخارجية، ولم تُطبّق الحكومة محتوى اتفاقيات سابقة مع الإتحاد العام التونسي للشغل لزيادة الرواتب التي تآكلت بفعل ارتفاع الأسعار. تميزت ميزانية 2021 أيضًا بارتفاع قيمة العجز إلى 11,6 مليار دولار (35 مليار دينار)، أو أكثر من نصف قيمة ميزانية الدّولة (حوالي 19,5 مليار دولارا)، وطلب صندوق النقد الدّولي توريط العديد من الأطراف (الحكومة والأحزاب المُمَثَّلَة بمجلس النواب والإتحاد العام التونسي للشغل وما يُسمّيه « المجتمع المدني »…) وموافقتها على قرض من الصندوق، بضمانة أمريكية، فالإمبريالية الأمريكية تعمل على عدم إعلان إفلاس تونس، في ظل هيمنة الإخوان المسلمين على دواليب الدّولة، رغم توقُّعات صندوق النّقد الدّولي (23/01/2021) ارتفاع عجز ميزانية الدّولة إلى أكثر من 9 % من الناتج المحلي الإجمالي، وكالعادة، يرى خُبَراء الصندوق أن الحَلَّ يكمن في تنفيذ « خطة إصلاح » تتضمن « خفض كتلة الرواتب » (رواتب موظفي القطاع العام)، وإلغاء ما تبقى من دَعْم للسّلع الأساسية والخدمات، وخصخصة المؤسسات العمومية، و »تحسين مناخ الأعمال »، أي منح مزيد من الحوافز والهدايا المجانية للقطاع الخاص، وإعفاء الأثرياء من الضرائب، وغير ذلك من بُنُود الوَصْفَة التّقليدية لصندوق النقد الدّولي، التي تَبنَّها رئيس الحُكومة بحذافيرها، خلال تقديم برنامج حكومته الذي حاز على اغلبية أعضاء مجلس النّواب (26/01/2021) من الإخوان المسلمين والدّساترة ورجال الأعمال، ما يجعل هؤلاء النُّوّاب شُركاء في جريمة بيع البلاد للدّائنين، والمُشاركة في عملية إفلاسها…

بعد مرور 10 سنوات، أصبح الإقتصاد في حالة رُكُود، مع تراجع ملحوظ للحريات العامة والفَرْدية، واستفحال ظاهرة استفزاز فِرَق الشرطة للمتظاهرين، وأعلن مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي أن الصّندوق قدّم « دَعْمًا » (قَرْضًا) عاجلاً للدولة التونسية بقيمة 750 مليون دولار، « لإعادة توازن الموازنة » التي يقدّر الصندوق عجزها بأكثر من 9% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2021، بعد تسجيل نمو سلبي للإقتصاد سنة 2020، ويرى ممثل صندوق النقد الدّولي أن الحل السحري لمشاكل الإقتصاد التونسي يتمثل في القضاء على القطاع العام وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية، وخفض حجم الرواتب وتسريح الموظفين، وغير ذلك من الإجراءات التي تزيد من تبعية اقتصاد وسياسة للدول الإمبريالية وأدواتها، مثل صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وهي إجراءات طبّقها نظام بورقيبة، منذ 1970 في ظل حكومة « الهادي نويرة »، وبن علي، منذ 1987، وطبّقَها الإخوان المسلمون وحلفاؤهم، « بإخلاص »، منذ 2012، فأنتجت تراجعًا قِياسيًّا للنمو سنة 2020، ولم تُطبّق حكومة ائتلاف الإخوان والدّساترة الإتفاقيات التي وقّعَتها، بعد أشهر من المفاوضات، مع الإتحاد العام التونسي للشغل، ومع مؤسسات المجتمع المدني ومع مجموعات المُحتجّين في قفصة أو في تطاوين أو الجنوب الغربي وغيرها، ولا تزال الحكومة تلهث وراء صندوق النقد الدولي، إذ أعلن وزير المالية أن الحكومة تأمل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشأن قَرْضٍ جديد « لتعزيز الإستقرار الإقتصادي ودعم النمو »، بحسب مُمثّل صندوق النقد الدّولي، كما نقلت عنه وكالة الأنباء التونسية (وات) يوم السابع من شباط/فبراير 2021 …

حافظ الإخوان المسلمون وحلفاؤهم على وضع التّبَعِيّة تجاه أوروبا، وخاصّة تجاه فرنسا التي استعمرت تونس بشكل مباشر، من 1881 إلى 1956، ولا تزال تُهيمن على اقتصاد البلاد، وتُشكل اتفاقيات الشراكة، وآخرها اتفاقية الشراكة المُعَمّقة وفتح الحدود وإلغاء الحواجز الجمركية (من أوروبا نحو تونس، وليس العكس)، وهي الإتفاقية المُسمّاة اختصارًا « أليكا » (الأحرف اللاتينية الأولى للإتفاقية) التي تُعجّل بإفلاس صغار الفلاحين والتّجّار والشركات الصناعية الصغيرة، وحتى المتوسطة، لتتحول كافة قطاعات الإنتاج والإقتصاد والتجارة إلى ملكية حَصْرِية وفُرُوع للشركات الأوروبية العابرة للقارات…

الإخوان المسلمون ومسائل الديمقراطية والحُرِّيّات الأساسية:

تدّعي بعض وسائل الإعلام وبعض المنظمات الأجنبية  أن تونس أصبحت نموذجًا للديمقراطية في الوطن العربي، وأن الإخوان المسلمين تيار ديمقراطي، لكن أبناء تونس الذين يعيشون داخل البلد والذين تظاهروا في معظم مناطق البلاد، في الذكرى العاشرة للإنتفاضة، لهم رأي مُخالف. لماذا؟

انطلقت حركة « جماعة الإخوان المسلمين » بمصر سنة 1928، على يد حسن البنا ( 1906 – 1949) بدعم من القوة الإستعمارية البريطانية، قبل أن تنتشر « الجماعة » كتيار سياسي، في العديد من البلدان التي يُشكّل المُسلمون أغلبية سُكّانها، وكانت باكستان أول دولة « إسلامية » مُعاصرة، عندما انفصلت عن الهند حال استقلالها عن الإستعمار البريطاني، بالتوازي مع تأسيس الكيان الصهيوني، على أُسُسٍ ظاهرها ديني وباطنها سياسي، استعماري بالنسبة للحركة الصهيونية، وكان « علي جنينة »، مؤسس دولة باكستان يدعو إلى « إسلام قومي » وتأسيس اتحاد دولي للبلدان ذات الأغلبية المسلمة من السكان، وإجراء انتخابات لن يستطيع الفوز بها سوى « مسلم »، لأن المسلمين أغلبية، فيما يرى « أبو الأعلى المودودي » (1903 – 1979) أن الإنتخابات بدعة غربية، وكان المودودي أحد أقطاب تيار « الإخوان المسلمين » الذي يرى في ابن تيمية ( 1263 – 1328) وابن قيم الجوزية ( 1292 – 1350) مراجع أساسية، وهما من المراجع الأكثر تشدُّدًا ورجعية، وتمسّكًا بحرفية النّصّ، دون مُراعاة الظّرف والمُحيط (أصدرت « حركة الإتجاه الإسلامي »- النهضة لاحقا- بمناسبة وفاة المودودي، عددًا خاصّا من صحيفتها « المعرفة » لزعماء الإسلام السياسي، ومنهم حسن البنا وأبو الأعلى المودودي، كأحد المراجع الهامة ) ويرى « المودودي » أن الإسلام هو أساس المواطنة في الدّول ذات الأغلبية المسلمة من السكان، ولا يجب تطبيق « الديمقراطية الغربية »، وبذلك تأسست باكستان على أساس ديني وليس على أساس قومي (وكذلك الكيان الصهيوني، لأن المُستوطنين المُستعمِرِين جاؤوا من مائة دولة) ولهذه الأسباب أيضًا يدعم الإخوان المسلمون تركيا، خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، باعتبارها إحياءً للدولة العثمانية التي احتلت البلدان العربية وأوروبا الوسطى، وأسست دولة على أُسُس دينية، وللتذكير فإن الجيش الباكستاني درّب الجيش الأردني وقاتل الإخوان المسلمون الباكستانيون مع النظام الأردني، وارتكبوا مجازر عديدة ضد المقاتلين واللاجئين الفلسطينيين، سنتَيْ 1970 و 1971، وسبق أن صرح زُعماء تيار الإخوان المسلمين (راشد الغنوشي من تونس وعلي بلحاج من الجزائر، على سبيل الذّكر، ولم يُعلنا أبدًا استدراكًا أو تراجُعًا عن هذه التّصريحات) بمعارضتهم للديمقراطية، لأن شعبًا جاهلاً لن ينتخب سوى رئيسًا جاهلا أو نوابا جهَلَة، وبمعاداتهم للعروبة كمقوّم من مقومات الأمة العربية، التي ينكرون وجودها، في حين يدّعون وجود أُمّة « إسلامية »، أساسها العقيدة الدّينية، وها نحن نرى اليوم الإسلام السياسي (الذي لا يؤمن بالديمقراطية) يرأس مجلس النّواب، ويحكم شعبًا انتفض عدّة مرّات ضد نظام دكتاتوري وطَبَقِي ومَدْعُوم من القوى الإمبريالية، منذ 1956 إلى غاية اليوم (2021)، رغم اختلاف أسماء الأحزاب والحاكمين.

تُعلن أحزاب الإسلام السياسي (نكتفي بالحديث عن السُّنّة) أنها تعتزم حكم البلدان العربية وذات الأغلبية المُسلمة من السكان، اعتمادًا على الشريعة الإسلامية، وخصوصًا على ما ورد في القرآن والحديث، والتأكيد على الرابطة الدّينية ( أي الإيديولوجية) بدل الإنتماء الوطني، والمُساواة بين المواطنين، نساءً ورجالاً، بغض النظر عن انتمائهم الدّيني أو لون بُشرتهم، خصوصًا في المشرق العربي، حيث ترتفع نسبة المواطنين غير المُسلمين، وبينما يُعبِّرُ راشد الغنوشي ومحمد مرسي عن عدم اهتمامهم بالفلسطينيين، وعدم عدائهم للصهاينة الذين يحتلون فلسطين، يعتدي الإخوان المُسلمون على المواطنين من ذوي الدّيانات غير الإسلامية وعلى المدافعين عن الفكر القومي والشيوعي، ويُصنّفونهم في خانة « الكُفّار »، أما الصهاينة والحُكّام الأمريكيين فإنهم من « أهل الكتاب، يؤمنون بالله وباليوم الآخر »، ويذكر التونسيون التسجيلات المُصوّرة لزعماء الإخوان المسلمين الذين يدعون المواطنين للتصويت لمن « يخافون الله »، أو لمن يعملون على تأسيس « الخلافة السادسة »، وغير ذلك من التصريحات المناقضة لمبدأ المواطَنة، والمُساواة في الحُقُوق والواجبات، واستبدال مبدأ المساواة بمبدأ « الحاكمية » التي دعا لها « أبو الأعلى المودودي »، و »سيد قُطْب »، وحق الشيوخ (الذين يُسمّونهم « عُلماء ») الجمع بين السلطة الدينية والدّنيوية، وقيادة المسلمين في المسجد والمواطنين في شؤون الحياة، باعتبار هؤلاء « العُلماء » مبعوثي الله لرعاية الدّين والدّنيا…

بعد أكثر من تسع سنوات من حُكم ائتلافات تقودها حركة الإخوان المسلمين بتونس، يَنْصَبُّ اهتمام المواطن بغض النظر عن انتمائه السياسي أو عقيدته الدّينية، أو جنسه ولونه، على الأزمة السياسية والإقتصادية المُتواصلة، وكيفية الخروج منها، خاصة بعدما فاقمتها جائحة الفيروس التاجي « كوفيد 19″، بالتوازي مع استغلال الإخوان المسلمين لانتشار الجائحة، لكي يُقلّصُوا الحُريات التي افتَكّها الشعب، سنة 2011، وكان الإخوان المسلمون أول وأهم المُستفيدين منها، رغم عدم مُشاركتهم في النضال من أجلها، واستفادوا من « الغنيمة » والتّعويضات والعفو التشريعي العام، ليصبح قادتهم أثرياء، فيما يواجه معظم المواطنين الارتفاع الحاد في الأسعار وارتفاع معدلات البطالة وتزايد الفقر…

عشر سنوات من المماطلة ومن الفساد والقمع:

أسفرت انتفاضة 2010/2011 عن سقوط الرئيس زين العابدين بن علي، وبقي النّظام قائمًا، وساء وضع الإقتصاد وظروف عيش معظم المواطنين، لكن جاءت الإنتفاضة ببعض المكاسب، مثل الحقوق العامة والفردية والجماعية، وبعد عقد من الزمان، لا يزال المواطنون وخاصة الشباب يُعانون من الفقر والبطالة وتعسّف قوى الشرطة وفساد جهاز القضاء، ما جعل الشوارع التونسية مسرحًا مستمرا للاحتجاجات المشروعة التي لم تتمكن جَوْلات الإنتخابات التشريعية والرئاسية والبَلَدية من إخفائها، وبقيت الشوارع والساحات أهم موقع لقياس نبض الحياة السياسية بالبلاد، ولقياس تأثير الكساد وانكماش الإقتصاد ( ناقص حوالي 7,5 %سنة 2020) على حياة الأُجراء والفُقراء، ولقياس مدى فشل الإئتلاف الحاكم في حل المشاكل الإقتصادية، ومشاكل الحياة اليومية للمواطنين، فمن يسمع صوت المُعَطّل عن العمل والفقير والعامل بالإقتصاد الموازي، إذا لم يكن أعلى من صوت الأذان بمُكَبِّر الصّوت؟

بعد عشر سنوات من المماطلة، ومن الكَرّ والفَرّ، انطلق مسار احتجاجي من « سليانة »، بالشمال الغربي، وهي منطقة « داخلية » (بعيدة عن ساحل البحر الأبيض المتوسّط) محرومة، مثل سيدي بوزيد والقيروان والقصرين وقفصة والجنوب الشرقي، وانتشرت المظاهرات بسرعة في مناطق عديدة من البلاد، بسبب تراكم مشاكل البطالة والفقر والتّعسّف، بالتوازي مع تراكم الثروات لدى فئات قليلة، ومنها الأثرياء الجدد من المُقربين للسلطة، فالإنتخابات لا تُسفر عن اختيار المترشحين الأكثر نزاهة، بل عن فوز المرشّح الأكثر ثراء وفسادًا، ومن ذوي العلاقات الجيدة مع وسائل الإعلام ومع ذوي النّفوذ الإقتصادي والسياسي.

أظْهر قادة الإخوان المسلمين (النهضة) عداءهم للفئات الأكثر هشاشة وفَقْرًا، من خلال كَيْل الإتهامات « الأخلاقية » للمُتظاهرين، ما أصار رُدُودَ فعل عنيفة في معظم الأحياء الشعبية، بما فيها الأحياء التي تمكن الإخوان المسلمون من « الإنغماس » بها، بواسطة توزيع بعض الغذاء والمال، مثل « حي التضامن »، حيث يشتكي المتظاهرون من البطالة، ومن ظروف الحياة، ومن قمع السلطة التي يقتصر حُضُورها على قوات الشُّرْطة التي قَمَعت المُحتجّين بعنف شديد، فعاد شعار « الشعب يريد إسقاط النّظام »، لأن فرار بن علي في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2011 لم يُسفر عن انهيار النظام، بل تصالح الإئتلاف الحاكم مع اللصوص والأثرياء والفاسدين، من خلال قانون المصالحة الإقتصادية والمالية (وهو ما حصل في مصر أيضًا، خلال حُكم الإخوان المسلمين)، وعَمّق الحالكمون « الذين يخافون الله » (بحسب عبد الفتاح مورو، أحد مُؤسّسِي تيار الإخوان المسلمين بتونس) الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، إذ لا وجود لقوة قادرة على افتكاك السلطة وقيادة البلاد في طريق مختلفة عن نمط التبعية للإمبريالية، وبقيت أسباب انتفاضة 2010/2011 قائمة، بدليل تشابه شعارات ومطالب محتجي 2021 مع مُحتجّي 2011 وتتعلّق في الحالَتَيْن (بفارق عشر سنوات) بالتنديد بصعوبة العيش والبطالة وإهمال الدّولة لفئات عديدة من المواطنين، ولجهات كاملة من البلاد، ولم يوقف القمع الوحشي والإعتقالات هذه الحركة، بل تطورت الشعارات إلى المُطالبة بحلّ البرلمان وتغيير النظام السياسي وشعارات مناوئة لحركة النهضة وزعيمها، رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، واستهدف المُتظاهرون محلات الشرطة والدّرك التي اعتقلت أكثر من ألف متظاهر ومواطن (من محلات سكنهم أحيانًا)، بنهاية شهر كانون الثاني/يناير 2021، بحسب وكالة « رويترز » (30/01/2021)، أكثر من رُبعِهم من القاصرين، في مناطق مختلفة من البلاد، ونشرت الحكومة وحدات عسكرية في مناطق عديدة، وشَتَم وزير الدّفاع بعض الفئات من المواطنين من سُكّان الأحياء الشعبية، وشكّل القمع الرّد الوحيد على مطالب المواطنين المَشْرُوعة.

في ذكرى الإضراب العام والقمع الشديد الذي مارسته قوات الشرطة والجيش ضد النقابيين والمواطنين، في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير 1978- 2021، منعت الشرطة مئات المتظاهرين من الإقتراب من مَقَرّ مجلس النّواب، الذي صادق على تعيين وزراء تحوم حولهم شبهات الفساد واستغلال السلطة.

تواصلت المظاهرت إلى أن حلت ذكرى اغتيال « شكري بلعيد » (06 شباط/فبراير 2013- 2021 )، فأغلقت قوات الشرطة الطرقات المُؤدّية إلى العاصمة، وأغلقت الشراع الرئيسي الذي تجمع به المُتظاهرون، تدعمها مليشيات الإخوان المسلمين التي دعاها « عبد الكريم الهاروني »، نائب رئيس حزب « النهضة » ورئيس مجلس الشورى بالحزب، علنًا إلى قَمع المتظاهرين، وأظهرت الوثائق المُصورة الأعضاء المسلّحين لهذه المليشيات، بصدد إطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطّاطي، وبصدد اعتقال المشاركين، من داخل صفوف المتظاهرين، وسبق أن ساهمت مليشيات حركة الإخوان المسلمين (حزب النّهضة) في قمع مظاهرات ذوي الشهداء والمُصابين، يوم التاسع من نيسان/ابريل 2012، وساهمت في قمع المُضربين من الأُجراء، وتخريب محلات الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجراء) يوم الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2012، وإلقاء النّفايات والفضلات والأوساخ داخل وأمام المحلات النقابية، ولم تتم محاسبة أو متابعة قيادات هذه المنظمات المسلّحة، غير المُرخّصة (ينتمي بعض عناصرها إلى نقابات قوات الأمن)، ما يُعزّز شعور الميز وإفلات البعض من المُحاسبة ومن العقاب، أي غياب المُساواة بين المواطنين أمام القانون وجهاز القضاء…

في ذكرى اغتيال الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد « شكري بلعيد » (06 شباط/فبراير 2013 – 2021)، أمام منزله، بخمس رصاصات، في وضح النّهار، وتقاعست حكومة « حمادي الجبالي » (الإخوان المسلمون) والحكومات التي تلتها عن إظهار حقيقة اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي (25 تموز/يوليو 2013) وغيرهم، لِتُصبح الإغتيالات السياسية من إضافات الإخوان المسلمين للحياة السياسية بتونس، مع التّغطية على المُجرمين القَتَلَة، وعلى من أمر بالقتل أو نفّذه، ولذلك لم يكف المتظاهرون، منذ 2013، عن ترديد سؤال « من قتل شكري بلعيد؟ »، في حين طالب الإتحاد العام التونسي للشغل (الذي ساهم في بقاء الإخوان المسلمين على رأس السلطة إثر عملية وساطة بينهم وبين الدّساترة، بذريعة « إنقاذ البلاد » التي لم تُنْقَذْ) ومنظمات أخرى عديدة بتحقيق جِدِّي للكشف عن المشرفين والمُنفذين والمُتستّرين، وبهذه المناسبة، منعت قوات الشرطة آلاف المواطنين من الوصول إلى مكان المظاهرة، حيث طالب المتظاهرون بإطلاق سراح من تم اعتقالهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، ورفعوا شعارات تطالب بالوظائف والحرية والكرامة وندّدوا بعودة « دولة البوليس »، وأقامت الشرطة حواجز على مداخل المدينة وفي شوارعها وساحاتها، وأغلقت كافة المحلات المفتوحة وسط البلد، وفرضت طوقا أمنيا على مداخل العاصمة، وحظر الوصول إلى وسط المدينة على بعد عدة كيلومترات من مكان انطلاق المظاهرة، بهدف الحَدّ من عدد المُشاركين،  ورغم ذلك تمكن الآلاف من الشّبّان والمواطنين من التظاهر في الشوارع الفَرْعِية، وفي الشارع الرئيسي، ما يرمز إلى تشابك القضايا وتلاحم الفئات المُتضرّرة من سياسات الإئتلاف الحاكم، منذ عشر سنوات، ومن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتحول الحكومة إلى « لوبي » في خدمة الشركات الأجنبية والمُستفيدين من هيمنة القوى الأجنبية…

عودة « دولة البوليس »؟

عاد الحديث في تونس عن « الجهاز السِّرِّي » لحركة النهضة (الإخوان المسلمون)، وهي غرفة سرية بوزارة الدّاخلية، ويتهم فريق الدفاع في قضية اغتيال « شكري بلعيد »، هذا « الجهاز السّرّي » بارتكاب جريمتَيْ اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وجرائم سياسية أخرى، وبتعطيل التحقيق في مثل هذه القضايا، وتحولت الذكرى السنوية للإغتيال إلى يوم وطني لمكافحة الإرهاب الذي يَدعمه الإخوان المُسلمون، إخوان الإمبريالية.

دعمت الحكومة أسطول القمع بشراء عربات مدرّعة جديدة من فرنسا (زمن التّقشف وخفض الإنفاق الحكومي) استخدمتها الشرطة ضد المتظاهرين، بداية من يوم الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير 2021، وسجل تقرير المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب اعتداء عناصر الشرطة عَمْدًا على محامين وحُقُوقيين ومناضلين سياسيين، واعتقال أكثر من 1500 بينهم نحو 500 طفل، خلال مظاهرات شهر كانون الثاني/يناير 2021، وسجّلت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والجمعية التونسية للعدالة والمساواة (دمج) استخدام الشرطة، المُكثّف والمُفرط للغاز المسيل للدموع وللإعتقالات التعسفية لنحو 1680 مواطن، من 14 إلى 30 كانون الثاني/يناير 2021، واعتقال حوالي 450 قاصر، مع تَعَرُّضِ أفراد أسرهم للاعتداء، وأجبرت الشرطة هؤلاء القاصرين على توقيع اعترافات تحت التهديد والعنف، ووقعت محاكمة المعتقلين بسرعة استثنائية، وبتواطؤ من بعض القضاة، باستخدام قوانين من فترة الإحتلال العثماني والإحتلال الفرنسي، في القرن التاسع عشر، وتحريض من وسائل الإعلام التي وصفت احتجاجات أبناء الفُقراء والعاملين ب »أعمال الشّغب » ذات الصبغة « الإجرامية »، نازعة عنها صفة المطالب المشروعة، بينما تَعرّض العديد من المناضلات والمناضلين، من مختلف الجمعيات والمنظمات المدافعة عن حقوق المواطنين، للإعتقال والتّحرّش والتعذيب، ما استوجب نقل ما يقل عن 32 منهم إلى المستشفيات، وتَعرّض أعضاء منظمات الدّفاع عن حقوق الإنسان للتهديد من قِبَل قادة نقابات الشرطة، في عدد من مُدُن البلاد، ما يُشير إلى عمل عدائي مُنَظّم، بحسب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية التونسية للمحامين الشبان وجمعيات أخرى، خصوصًا منذ مظاهرة الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2021، وأعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدينة « صفاقس » (ثاني أكبر مدينة تونسية) تَعَرُّضَ إثنَيْن من مُراقبيها للإعتداء من قِبَل ضباط شرطة يتحمّلون مسؤوليات بالنقابات الأمنية (وهي عبارة عن مليشيات يمينية متطرفة)، يوم الثاني من شباط/فبراير 2021، ما يُعيد إلى الأذهان ممارسات مليشيات الحزب الدّستوري الحاكم ضد النقابيين من العمال والطّلبة سواء خلال حُكم الحبيب بورقيبة 1956 – 1987 (مليشيات « محجوب بن علي » و « محمد الصّيّاح »…) أو خلال فترة حُكم زين العابدين بن علي، مع بقاء نفس الحزب في السلطة، ومليشياته وأساليبه القمعية، ضد كافة أصناف المُعارضين، بمن فيهم الإسلام السياسي آنذاك، الإخوان المسلمون، من « حركة الإتحاه الإسلامي » إلى « النهضة »، والمجموعات السلفية والدّعوية، مع استخدام بعضها (حركة الإتجاه الإسلامي- النهضة) للإعتداء على مناضلي اليسار والنّقابيين، والقوميين العرب، وغيرها من التيارات التقدّمية.

حاز الإخوان المسلمون على دعم بعض قُوى اليسار، عندما كانوا يتعرضون إلى القمع والمُحاكمات، وادّعى بعض قادة اليسار آنذاك ( في تونس كما في مصر وفي سوريا) أن قادة الإسلام السياسي تحوّلوا إلى ديمقراطيين يؤمنون بالمساواة بين المواطنين (بفضل « انفتاح » بعض اليسار على قوى اليمين الديني)، وغير ذلك من المغالطات، إلى أن استبدلت الإمبرياليات الأمريكية والأوروبية حكم حزب الدستور منفردًا، بائتلاف يقوده الإخوان  المسلمون، وظهر زيف ادّعاء تَحوّل التّيار الإخواني إلى قوة تقدّمية، فهو تيار انتهازي، يُطَبِّعُ مع الكيان الصّهيوني، بدون إكراه، ولا يُعارض الرأسمالية ولا الإمبريالية، بل لم يتمكن من حكم بعض البلدان دون دعم قوي من الإمبريالية وأجهزتها.

في تونس، اعتمد الإخوان المسلمون، بعد 2011، نفس اُسلوب الحُكم المُتّبع منذ 1956، واستحوذ حزبهم على جهاز الدولة، وأنشأ منظمات موازية (أهمها المنظمات الأمنية والمليشيات المُسلّحة) لتأبيد الإستبداد، ولردع الطبقة العاملة والكادحين وأبنائهم من المُعطّلين والمُهَمّشين من التّعبير، ومن المُطالبة بالشغل والحُرّية والكرامة، واستخدم حزب « النهضة » النقابات الأمنية (خصوصًا منذ العمليات الإرهابية سنة 2015) لاختطاف ولابتزاز المُعارضين، مقابل إفلات المتورطين من ضُبّاط الشرطة في قمع واغتيال مُعارضي بن علي، من المحاسبة ومن العقاب، وإفراغ « العدالة الإنتقالية » من مضمونها، بل نسفها من أساسها، وبذلك عملت حكومات الإئتلاف الذي يقوده الإخوان المسلمون على حَرْف مسار الغضب الشعبي، وعلى تغطية فشلها الإقتصادي والسياسي والاجتماعي، طيلة عشر سنوات، ومُعالجة مشاغل المواطنين عبر « التخطيط المنهجي للعودة إلى الاستبداد »، بحسب بيان صحفي صدر عن الإتحاد العام التونسي للشغل، في الرابع من شباط/فبراير 2021…

نشرت منظمة « هيومن رايتس ووتش » الأمريكية (تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية )، وهي منظمة شبه رسمية أمريكية، يوم الخامس من شباط/فبراير 2021، تقريرًا عن قمع الشرطة (والمليشيات الإخوانية) للمتظاهرين الذين أصبحوا يتذمّرون من غياب العدالة، في مقابل تكثيف حُضُور فِرق الشّرطة

التي أغلقت المنافذ والشوارع، لقمعهم واعتقالهم وتعذيبهم، قبل محاكمتهم بشكل مُستعجل، وتُشكّل العديد من مثل هذه الوقائع وإطلاق يد عناصر الشرطة وعسكرة الفضاء العام بأعداد كبيرة من عناصر الشرطة بمعدات ومدرعات ضخمة، حديثة، عودة إلى الوراء، وإحْيَاءً للمقاربة الأمنية والقمعية، التي انتهجها نظام الحُكْم، خلال رئاسة زين العابدين بن علي (من 1987 إلى بداية 2011)، ما أعاد إلى الواجهة نفس المطالب كالإفراج عن المعتقلين، أثناء المظاهرات وبعدها، خلال مُداهمة البيوت، بالتّوازي مع الفشل الإقتصادي الذّريع، وإغراق البلاد بالدّيون، وأعلن عميد (نقيب) المحامين « إن تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب أسهمت في تفشي الإعتداءات الفظيعة على المتظاهرين، من بعض الأطراف الأمنية التي تفرض طوقًا أمنيا، لِعَزْل الشّبّان المُحتجّين والإستفراد بهم في الشوارع الجانبية، بعد فض الإعتصام أو المظاهرة، بحسب ما روى مراسل وكالة « رويترز » يوم السادس من شباط/فبراير 2021.

خاتمة:

تُبرهن دراسة بسيطة لخارطة مناطق انطلاق الإحتجاجات، في 17 محافظة (ولاية) من إجمالي 24 محافظة، على الطبيعة الطبقية للحكم الإخواني وحلفائه، فقد انطلقت كافة الإحتجاجات، منذ 2010، من أحياء الطبقة العاملة والأحياء الشعبية عمومًا، ولم تتغير الخارطة، بعد 2011، ولم تتغير أساليب التعامل الحكومي مع المُحتجّين، ما يؤشر لعودة « الدولة البوليسية » (كما كانت تُنعتُ خلال حُكْم بورقيبة وبن علي)، كما لم يتغير نمط التنمية التّابع للإمبريالية، بل تعزّز الخضوع  للإمبريالية، عبر ارتفاع حجم الديون ونسبتها من الناتج المحلي الإجمالي، وعبر اتفاقيات التبادل غير المُتكافِئ، مثل اتفاقيات « الشراكة »، وآخرها اتفاقية « أليكا » التي فَرَضَها الإتحاد الأوروبي…

ما الذي يدفع المواطن، في أي بلد للإحتجاج في الساحات والشوارع، لولا إيمانُهُ بعدالة مطالبه، باستثناء بعض حالات التلاعب واستغلال مشاعر البُسطاء (كالثورات المُلَوّنة)، أما موجة الاحتجاج الأخيرة بتونس فهي نتيجة منطقية للمماطلة وللتهميش الذي تتعرض له فئة الشباب الفقراء، في المناطق الحضرية والريفية، على حد السواء، وإقصائهم من الدّورة الإقتصادية، ومن الحياة السياسية، ومن الطّبيعي يُعبّر الشباب والمُعطّلون عن العمل والفُقراء وكافة المواطنين عن استيائهم وعن عدم رضاهم على أداء الحكومة، ومن حق الكادح والمُنتج والمواطن التونسي مُحاسبة أجهزة الدّولة، بحكومتها ومجلس نوابها عن مَآل الإنتاج المحلي والقروض الخارجية، وكيف تم إنفاقها ومن استفاد منها الخ، ومن حق المواطن رفض تسديد قيمة الدّيُون التي لم يستفد منها الفُقراء والكادحون، والمطالبة بإلغائها.

إن ارتفاع الأسعار وتخريب القطاعات والخدمات الأساسية (التعليم والصّحة والسّكن والنّقل والتأمين الإجتماعي…) وارتفاع قيمة الدّيْن العمومي، وارتفاع نسبته من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع حصة كل مواطن من الدُّيُون التي لم يستفدْ منها، هي عوامل تُشَرِّعُ الثورة ضد الحكومة والنواب الذين يدعمون سياساتها…

عندما يتضمّن برنامج رئيس الحكومة نفس العبارات والجُمَل و »الحُلُول » التي أمَر بها صندوق النّقد الدّولي، نستنتج، دون احتمال الوقوع في الخطأ، أن صندوق النقد الدّولي يحكم البلاد، بواسطة حكومة ونواب الإخوان المسلمين والدّساترة، وحلفائهم، ومن واجبنا التّذكير أن ارتفاع الدُّيُون الخارجية كان السبب المباشر الذي تعللت به الإمبريالية الفرنسية لاستعمار تونس سنة 1881، كما تعللت به الإمبريالية البريطانية لاحتلال مصر، سنة 1882، أما اليوم فإن الإمبريالية تُهَيْمِنُ على شُعوب وثَرَوات البُلْدان، بواسطة عُملاء مَحلِّيِّين، يمثّلون مصالح الشركات والدّول الأجنبية المُقْرِضَة، وهو ما يحصل في تونس، إذ يتوجّه أكثر من ثُلُث قيمة الإنتاج (أي جُهْد العاملين والمُنتِجِين المَحلِّيِّين) إلى الخارج لتسديد الدّيُون وفوائدها، ويتوجه جزء هام إلى الخارج لتوريد سلع أساسية (الغذاء والدّواء وغيرها) وغير أساسية كالسيارات الخاصة والعطور أو غيرها من السّلع الفاخرة، غير الضّرورية…

يفتقد الفُقراء لقوة تمثل مصالحهم في مؤسسات الدولة، كالحكومة أو مجلس النّواب، ولذلك فإن الشوارع والسّاحات ومواقع العمل والإقامة، هي المكان الطّبيعي للتّعبير عن غضبهم، ولإسماع صوتهم، والتّعبير عن مطالبهم، ليلاً ونهارًا، لا يَهُم، خارج المُؤسّسات الرّسمية، وهو ما حصل إلى غاية السنة الحالية (2021)، غير أن غياب التنظيم والتّأطير وغياب برنامج بديل للنظام الحالي وخطط عَمَلية لتركيز سلطة الكادحين والفُقراء، وتطبيق وتمويل برنامج اقتصادي وسياسي بديل، يجعل نظام الإئتلاف الطّبَقِي الحاكم ينجح في قَمْعِ الإحتجاجات، بدعم من القوى الإمبريالية التي يُمثل مصالحها، ويستمر في الحُكم، ونهب ثروات البلاد، منذ 1956، رغم تغيير وتَعَدّد الأسماء…

ساهمت القيادة السابقة لاتحاد نقابات الأُجَراء (الإتحاد العام التونسي للشغل)، سنة 2013، في إنقاذ التحالف الحُكومي بين الإخوان المسلمين والدّساترة، بزعامة الباجي قائد السّبسِي، إلى جانب نقابة أرباب العمل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونال هذه المنظمات جائزة نوبل للسلام، التي لا تُشكل « شهادة شرف » بعدما نالها العديد من مُجرمي الكيان الصهيوني، كالجنرال إسحاق رابين والجنرال شمعون بيرس وقائد المجموعات الإرهابية مناحيم بيغن، ونالها المُطبّعون مثل أنور السادات، ورؤساء الولايات المتحدة، وجميعهم مُجرمون، وقادة الإخوان المسلمين (توكل كرمان)، وغيرهم، وتعمل القيادة الحالية للإتحاد العام التونسي للشغل على تكرار تجربة « الوفاق الوطني »، بينما تُجابه نفس هذه القيادة النقابية معارضة جزء هام من النقابيين لمحاولاتها تأبيد هيمنتها على الإتحاد، وإلغاء الفصل الذي حَدّد المدة القانونية للبقاء في القيادة، بفترتَيْن نيابِيّتَيْن، والذي وقع إقراره بالتصويت الحُر في مؤتمر جربة، ووقع تأكيده في مؤتمر لاحق، وبدل تطبيق الديمقراطية، واللوائح الدّاخلية، تتوسّط هذه القيادة لإنقاذ حكومة الإئتلاف الرجعي، بذريعة الوفاق الوطني…يمكن العمل على خلق وفاق وطني من أجل بناء اقتصاد مُنتج يعتمد على الزراعة، بهدف تحقيق الإكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وتصنيع ما زاد عن الحاجة، ومن أجل إلغاء الدّيون التي قبض الدّائنون أَضْعَافَ قيمتها، وإلغاء الإتفاقيات الإستعمارية، وآخرها « أليكا » التي تُخَرّب ما تَبَقّى من نسيج اقتصادي داخلي، وتُعمّق وضع التّبَعِيّة تُجاه الإتحاد الأوروبي، وإلغاء القواعد العسكرية الأمريكية وحَظْرِ استخدام الأراضي التّونسية للتجسّس أو للعدوان على الجيران (الجزائر وليبيا) والبلدان الأخرى…  

الطاهر المعز  

Leave a Reply