Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Asie, Crise du capitalisme, Education - formation., Questions internationales.

الطاهر المعز الهند – متابعة وقائع ثورة الفلاّحين

الطاهر المعز

بدأت احتجاجات المُزارعين خلال الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس 2020، وحاول نظام حكم حزب « بهارتيا جاناتا » اليميني المتطرف، بزعامة رئيس الحكومة « نانيندرا مودي »، قمع الإحتجاجات وفكّ الحصار عن العاصمة الإتحادية، ولكنه فشل في ذلك، ويواصل عدد كبير من المُزارعين الحصار، رغم القمع والإعتقالات، إلى غاية كتابة هذه الفقرات، يوم السابع من شباط/فبراير 2021.

تُمثّل الفلاحة قطاعًا هامًّا بالهند، يُعيل نحو 70% من سُكّان البلاد، أو حوالي تسعمائة مليون نسمة، ويُساهم القطاع بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ولذلك يُشكّل هذا الإحتجاج تهديدًا لسلطة الإئتلاف الحاكم، الذي وَعَدَ الفلاحين بمضاعفة دَخْلِهم، ولكن البرلمان الدّاعم لحكومة « نانيندرا مودي » أقر، في أيلول/سبتمبر 2020، ثلاثة قوانين اقترحتها الحكومة، تتيح للمزارعين بيع محاصيلهم لأي جهة يختارونها، بدلا من بيعها (بواسطة وُكَلاء) في الأسواق الحكومية، التي أُنْشِئَت خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، بعد سنوات قليلة من الإستقلال (1947)، بهدف فَرْض سِعْرٍ أدْنى للمحاصيل، ووقف الإستغلال الفاحش للمزارعين، وضمان حدّ أدنى لسعر محاصيل صغار الفلاحين، وأدّت سياسة الإصلاح الزراعي (أو « الثورة الخضراء ») ودعم الفلاّحين (بمبلغ يعادل 32 مليار دولارا سنويا، بحسب وزارة المالية) إلى تحويل الهند، بعد حوالي عِقْدَيْن (خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين) من بلد يواجه نقصا مستمرًّا في الغذاء إلى بلد مُصدّر لما يفيض عن حاجته من المحاصيل الزراعية.، وخاصة من الحبوب، كالأرز.

تتميز تركيبة فئة المُزارعين بارتفاع عدد صغار الفلاحين الفُقراء، الذين يملك أكثر من 85% منهم مزارع لا تصل مساحتها إلى هكتارين، فيما يملك حوالي 1% فقط مزارعَ تفوق مساحتها عشرة هكتارات، بحسب بيانات وزارة الفلاحة لسنة 2016.

يمثّل الحدّ الأدنى لأسعار محاصيل الزراعات الأساسية (كالقمح والأرز) ضمانًا لعيش معظم المُزارعين، غير القادرين على منافسة المزارع الكبيرة، ويتخوف الفلاحون من القوانين الجديدة التي تُلغي الحد الأدنى، بذريعة « حُرّيّة المزارع ليبيعَ محصوله حيث أراد »، أي فتح الباب على مصراعَيْه للشركات الكبرى المحلية والعابرة للقارات، التي تَحلُّ تدريجيًّا محل الدّولة وأسواقها، لفَرْضِ أسعار منخفضة، وشُرُوط يعجز صغار المزارعين عن الوفاء بها.

استقر دخل الفلاحين بفضل سياسة الدّعم، وشراء الدولة للمحاصيل الأساسية (لكنه لم يرتفع)، خلال العقود الثلاثة الماضية، رغم ارتفاع أسعار البذور والأسمدة، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية، غير المُواتية، كالجفاف والفيضانات، ما أجبر صغار المزارعين على اللجوء إلى القُرُوض، وأدت هذه العوامل إلى تكبيد المزارعين خسائر فادحة، وإلى انتحار أكثر من عشرة آلاف مُزارع فقير سنويا، وتخلِّي أعداد كبيرة من المزارعين وعمال القطاع الفلاحي عن العمل بالزراعة، منذ 2011…

أمّا محاولات خفض الدّعم للمزارعين، فقد بدأت قبل سنوات عديدة، ولكن حكومة اليمين المتطرف سرّعت وتيرة الإلغاء التّام للدّعم، ووضع حدّ نهائي لخطة « الثورة الخضراء »، ما يؤدّي حتمًا إلى استحواذ الشركات وكبار الفلاحين على أراضي ومواشي صغار الفلاحين، لتهجير معظمهم نحو ضواحي المدن الكبرى، وتحويل جزء من أصحاب هذه الأراضي والمواشي إلى عُمّال زراعيين، في أراضيهم، لدى هذه الشركات نفسها التي تفرض شُرُوط عمل سيئة، ورواتب منخفضة على جميع العاملين في قطاع الزراعة…

في هذا المناخ المُتأزّم، انطلقت حركة الإحتجاجات الحالية لمزارعي الهند (رغم نعت الإعلام السائد للمحتجين بالخَوَنة وبالمُعادِين لمصالح الوطن)، وتطوّرت الحركة لتُهدّد حكومة رئيس الوزراء « نانيندرا مودي »، الموالية للإمبريالية الأمريكية وللصهيونية في المنطقة التي تشهد صراعًا أمريكيا-صينيا، وتحشيدًا عسكريا أمريكيا، وكان هذا الإئتلاف الحاكم قد فاز بأغلبية ساحقة في انتخابات 2019 (إعادة انتخاب مودي ونواب حزبه)، بدعم قوي من وسائل الإعلام، لكن سُرعان ما انطلقت الإحتجاجات ضد سياساته « النيوليبرالية »، منذ أواخر سنة 2019، بالإضافة إلى الإحتجاجات ضد « قانون الجنسية » العنصري، والذي يُحاكي القوانين الصّهيونية، وهدأت هذه الإحتجاجات بسبب انتشار وباء « كوفيد 19″، وما نتج عنه من قرارات الحجر الصحي والحبس المنزلي، قبل أن تنطلق الإحتجاجات من جديد ضد القوانين المعادية للفلاّحين الذين حازوا على دعم واسع من المواطنين، وخاصة في الأرياف، حيث يعيش نحو 70% من سُكّان البلاد، وحظوا بتأييد نقابات الأُجَراء وسمح هذا التحالف بين نقابات العمال والفلاحين بإطلاق مبادرات مُشتركة، منذ شهر أيلول/سبتمبر 2020، وخلال الإضراب العام، وساعد نقاباتُ العمال آلافَ المزارعين لإنجاز عمليات إغلاق الطّرقات المؤدّية إلى العاصمة الإتحادية « نيو دلهي »، وآخر هذه العمليات كانت يوم السبت، السادس من شباط/فبراير 2021، حيث تسبب إغلاق الطرق الذي استمر لثلاث ساعات، في تعطيل حركة المرور في أجزاء كثيرة من البلاد، ولايزال، يُخيم عشرات الآلاف من المزارعين، منذ بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020، خارج « نيو دلهي »، احتجاجًا على « الإصلاحات » التي لا يستفيد منها سوى كبار التجار والمُضاربين، بحسب مراسل وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب. 06 شباط/فبراير 2021)، وانتشر الآلاف من قوات الشرطة التي اعتقلت مِئات المُحتجّين، وقطعت خدمات الكهرباء والمياه والإتصالات والشبكة الإلكترونية، في مواقع الإحتجاج، ومنعت الصحافيين من القيام بعملهم الإعلامي « حرصًا على سلامتهم »، بحسب وزارة الدّاخلية، ما أثار احتجاج نقابة الصحفيين، ويُرابط الآلاف من عناصر الشرطة المُدجّجين بالسلاح وبالمُدرّعات، في المواقع الرئيسية الثلاث للمحتجّين، ووضعت حواجز وقضبان حديدية إضافية، لمنع المزارعين (الذين تنعتهم وسائل الإعلام السائد ب »الهمج ») من دُخول العاصمة، ما ساهم في تحويل الاحتجاجات السلمية إلى احتجاجات عنيفة، أحيانًا.

تجاوزت حركة التّضامن مع مزارعي الهند، حدود البلاد، وعَبّرت العديد من الأحزاب والنقابات الأجنبية عن دعمها للفلاّحين ومطالبهم، وأدّى قطع التيار الكهربائي والماء وخدمات الإتصالات والشبكة الإلكترونية، عن المُحتجّين المُرابطين، وعن الصحافيين المتواجدين على عين المكان، إلى تضامن بعض الشخصيات المعروفة مع المُزارعين، من بينهم المغنية « ريحانا » ومن المدافعين عن سلامة البيئة، مثل الشابة السويدية « غريتا ثونبرغ »، ما أثار فُضُول ومتابعة مئات الآلاف من الأشخاص الذين أعادوا نَشْر « تغريدات » المَشاهير، وما جعل شبكة « سي إن إن  » الأمريكية تُخصّص حَيّزًا من برامجها الإخبارية للتعريف (على طريقتها) باعتصام المزارعين على مداخل العاصمة الهندية، كما عبرت الممثلة الأمريكية « سوزان ساراندون » (المعروفة بتعاطفها مع الطبقة العاملة ومع بعض القضايا العادلة في العالم) عن دعم مزارعي الهند، وساهمت في توسيع رقعة التضامن مع الذين يُخَيِّمون في مداخل العاصمة « نيو دلهي »، منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020، رفضًا للقوانين الجديدة التي أقرّتها حكومة « نانيندرا مودي » وحزبه ( بهارتيا جاناتا ) في أيلول/سبتمبر 2020، واتسع نطاق التضامن ليشمل العديد من الفنانين والسياسيين، ما أثار استياء حكومة الهند (اليمينية المتطرفة) التي اتهمت « قوى أجنبية » بمحاولة « تدمير البلاد »، وشَنّت قوات الشرطة حملات قمع متتالية أدت إلى إصابة العديد من المُحتجّين بجروح، ونفّذت حملة اعتقالات جديدة، شملت المتظاهرين والصحافيين، كما اعتقلت الشرطة الممثل الهزلي « منور فاروقي » منذ الأول من كانون الثاني يناير 2021، بتهمة لم تستطع الحكومة إثباتها، وأحالت الحكومة بعض المُعارضين والصحافيين على القضاء، بسبب تغريدات وصفتها السلطات بأنها « مضللة » أو بتهمة كتابة تقارير تُشَكِّكُ في رواية الحكومة للأحداث، بحسب تقرير لمراسل صحيفة « نيويورك تايمز » (السبت 06 شباط/فبراير 2021)، وأعلنت الحكومة أنها تُراقب ما ينشُرُه المواطنون في الشبكات المُسمّاة « اجتماعية »، لاعتقال من ينشُر عبارات « معادية للوطن »، ومنع هؤلاء (المُعادين للوطن) من الحصول على جواز سفر، ومن التّرشح للوظائف الحكومية، بحسب وكالة « أسوشيتد برس » (يوم 01 شباط/فبراير 2021) التي أفادت أن موقع « توتر » حَظَرَ مئات الحسابات، ومنها حساب رئيسة تحرير مجلة « ذا كارافان » الاستقصائية، وحساب نقابة اتحاد المزارعين، وحسابات صحافيين، وغيرهم، بطلب رسمي من الحكومة، فيما اختطفت الشرطة والمليشيات التي أنشأها حزب « بهارتيا جاناتا » اليميني المتطرف، الحاكم، أكثر من مائة من المزارعين المحتجين، وما زالوا في عداد المفقودين، عند تحرير هذه الفُقرات، يوم السابع من شباط/فبراير 2021، بحسب ناطق باسم نقابة اتحاد المُزارعين، الذي ندّد بأعمال عنف جماعية ومنظَّمَة ضد المتظاهرين، أدّت إلى قَتْل ما لا يقل عن 147 مزارعًا خلال الاحتجاجات، أما السلطات فلم تقدم رقما رسميا بشأن وفيات المتظاهرين…

تطرح احتجاجات ومقاومة ونضال مزارعي الهند عددًا من التّساؤلات بشأن أسطورة الحُكم الديمقراطي بالهند، في ظل تزايد الفَقْر والقمع والإستغلال والإضطهاد والعنصرية، والتحالف مع الإمبريالية الأمريكية، ومع الكيان الصّهيوني، فماذا تعني الديمقراطية في بلد يجد نحو 70% من مواطنيه صعوبات لتأمين الغذاء والمسكن اللائق والدّخل الذي يفي بتلبية حاجاتهم الأساسية؟ كما تطرح هذه النضالات، بشكل غير مباشر، مسألة الأمن الغذائي، وتأمين عيش صغار المُزارعين الذين ينتجون حوالي 80% من غذاء حوالي 1,3 مليار نسمة، لأن الزراعة ليست فقط مسألة جداول تحصي حجم الإنتاج، بل هي قضية سياسية، وقضية سيادة غذائية، فضلاً عن دور الزراعة في تحديد نموذج التنمية والتهيئة العمرانية وتوزيع وتثْبيت السّكّان في مختلف مناطق البلاد، وغير ذلك من القضايا الأساسية…

تفرض حركة الفلاحين الحالية في الهند، دراسة أسباب الصّمود، رغم البرد الشديد والقمع والإغتيال والإعتقال، فقد نجحت نقابات المزارعين في إرساء دعائم تحالف (يبدو صلْبًا) مع نقابات العُمّال، ومع مختلف المُنَظّمات الريفية في مختلف ولايات الهند، التي تتمتع بهامش واسع من الإستقلالية، ونجحت، بعد بضعة أشهر من الصمود، في كسب تعاطف فنانين ورياضيين ومشاهير من مختلف أرجاء العالم، فتحول الصمت الخبيث لوسائل الإعلام الأمريكية إلى تعاطف (سطحي وشكلي) مع قضية المزارعين بالهند، ما قد يُشكّل ضغطًا على الحكومة الهندية…

يُشكّل هذا العَرْض السّريع دعوة للباحثين، لإنجاز دراسات مُعمّقة لهذه الحركة الإحتجاجية، بغض النّظر عن النتائج النهائية…

الطاهر المعز        

Leave a Reply