Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Economie, Education - formation., Histoire, Lutte de libération nationale., Maghreb Arabe.

تونس، بين الإحباط والأمل. من أجل تحويل الإنتفاضة القادمة إلى ثورة. الطاهر المعز

أحداث ليلية في تونس.

 الطاهر المعز

انطلقت، يوم الخميس 14 كانون الثاني/يناير 2021، في الذكرى العاشرة لنهاية حُكم زين العابدين بن علي، ولمغادرته البلاد، احتجاجات ليلية في عدة مناطق بالعاصمة من بينها حي التضامن والمَلاَّسِين وفُوشَانَة والسِّيجُومِي، وهي أحياء طَرَفِيّة، فقيرة ومُكتَظّة ومُهْمَلَة، وكذلك في مُدُن سوسة والقَلعة الكُبرى، وَسَط البلاد، والكاف وبنزرت وسليانة شمالي البلاد، وأطلقت قوات الأمن قنابل الغاز لتفريق المحتجين الذين أغلقوا الطرقات وأحرقوا الإطارات المَطّاطية القديمة للسيارات، وبَرّرت وزارة الدّاخلية (كما كل وزارات الدّاخلية في العالم) القمع بتهَوُّر المُتظاهرين وباقتحامهم محلات تجارية وسرقة محتوياتها، ومحاولة اقتحام مصارف ومحلات أخرى، لكن مؤشرات عديدة تُبَيِّنُ أن الحكومة كانت مُتهيِّئة، فقد أعلنت إغلاقًا تامًّا وحَظْرًا للتّجوال لمدة أربعة أيام فقط، لتفادي ولتطويق أي احتجاجات أو إحياء لذكرى خُرُوج الجنرال بن علي من البلاد، وأظهرت الوثائق المُصَوّرة العديد من المُسَلّحين بلباس مَدَنِي داخل صفوف المحتجّين، يعتقلون بعض الشُّبّان، ويعتدون على آخرين، ويُطلقون النّار والغاز المسيل للدّموع، إلى جانب عناصر الشّرطة الرّسمية، كما ظَهَرَ هؤلاء « المَدَنِيُّون » المُسَلّحون إلى جانب عناصر الشرطة باللباس الرسمي في الدّوريات التي تجوب بعض الأحياء والشوارع المُغلقة…    

تزامن اندلاع هذه الإحتجاجات مع اقتراب البلاد من حافة الإفلاس، ومع إعلان تحوير حكومي واسع، ومع بداية تنفيذ حظْر التّجوال الذي أقرّته الحكومة، بداية من الساعة الرابعة بعد الزوال، وسط سخط مُتزايد، واحتجاجات شملت، منذ حوالي أربعة أسابيع، عدة مناطق من البلاد، بشأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتفشّي الفقر والبطالة، ومن أجل تحسين ظروف العيش وتوفير الوظائف، ووسط تدابير أمنية (تحت غطاء التّدابير الوقائية الصّحّية ) أضَرّت بعشرات الآلاف من الفُقراء والعاملين باليوم ومن الفئات الأكثر فَقْرًا وهشاشةً، مع إهمال منقطع النّظير لصحّة المواطنين، حيث بلغ العدد الرّسمي للوفيات بفيروس « كورونا » قرابة ستة آلاف، منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021، بينما ازداد الوضع الاقتصادي سوءا، مع تَرَدِّي الخدمات العامة.

يضطر الفقراء لمخالفة الأوامر، وللخروج بحثًا عن الرزق، ويعتبرون قرارات الحبس المنزلي وحظر التّجوال، أحكامًا بإعدامهم (مع أفراد أُسَرِهِم) جوعًا، لأن الحكومة التونسية (كما غيرها) تُقرّر حبس المواطنين في مساكنهم الضيقة، دون أي احترام للحقوق الأساسية للإنسان، ودون الإهتمام بحياة وبعيش وبصِحّة الإنسان، حيث ارتفع العُنف الأُسَرِي والمشاكل النفسية، أثناء فترة الحبس المنزلي، أما خارج البيوت، فإن قوات الأمن تُنَكِّلُ بالباعة المُتَنَقِّلين وبالفئات التي يضطر أفرادها إلى خرق قرارات الحبس المنزلي وحظر التجوال والحجر الصحي، ليتمكّنوا من جَمْع ثمن إيجار المسكن وثمن فواتير الكهرباء والماء، ناهيك عن المتطلبات اليومية للحياة، من غذاء ودواء وملابس، وغير ذلك، ويضطر الفُقراء والعمال المياومون لتسديد رشاوى لرجال الشرطة ولغيرهم، ليحصلوا على تراخيص مغادرة البيوت، واستغلّت السلطات، في تونس، كما في معظم بلدان العالم، أزمة وباء « كوفيد 19″، لتعميم المقاربات الأمنية ولانتهاك حقوق الإنسان، ولتقييد الحُرّيات الفردية والجَمْعِية، ومَنْع احتجاجات المواطنين المطالبين بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية، وخَلَقَ الفيروس التاجي فُرصَةً لتعزيز سياسة القمع والإستبداد، من وراء إقرار حالة الطوارئ والحجر الصحي وتقييد الحريات، ورغم الطابع الإستثنائي، ظاهريا، فإن هذه الإجراءات القمعية سوف تستمر (في تونس كما في أوروبا وغيرها من بلدان العالم)، بدليل التّغْيِيرات في القوانين التي اتخذها نواب برلمانات معظم دول العالم، لجعل القمع والحد من الحُرّيات وضْعًا قانونيًّا ثابتًا ومُسْتَدَامًا…

بالمقابل، اهتمت الحكومات بالأغنياء فوزعت المال العام على الشركات والأثرياء، مُباشرة، ومن خلال الإعفاء من الرُّسُوم والضّرائب، ولكنها لم تخصص ميزانية إضافية لتعزيز منظومة الصحة العمومية التي ظهرت هشاشتها، ولم تُخصص ميزانية إضافية للبحث العلمي، لتفادي التبعية في مجال الغذاء والأدوية والعديد من السلع والخدمات الأساسية…

Erdogan reçoit Ghannouchi pour lui tracer la feuille de route à suivre -  Algérie Patriotique
أردوغان والغنوشي

نتائج اختطاف انتفاضة 2010/2011

لم يسقط النظام إثر انتفاضة تونس (أو مصر)، بل سقط الرأس، وبقي النّظام بأجهزته كالجيش والشرطة والقَضاء، والإدارة والتّعليم، وبقيت، بل تعززت التّبعية الإقتصادية للإمبريالية وأدواتها، كصندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، فتضاعف حجم الدّيون الخارجية التي تَرْهَنُ مستقبل أجيال عديدة قادمة، وتُمثّل أجهزة النظام طبقات اجتماعية، ومصالح اقتصادية لم يقع المساس بها، بل استطاعت إدماج فئات جديدة، تُمثل أثرياء جُدُد من الإخوان المسلمين (فضلا عن الإخوان الذين كانوا أثرياء منذ عُقُود)، أو بعض الأفراد من رُموز الفكر القومي العربي أو الإشتراكي، الذين رَوّجوا، منذ الأيام الأولى للإنتفاضة، أوهام التغيير من خلال الإنتخابات والبرلمانات، عبر رفع مطلب انتخاب مجلس تأسيسي ( لا يضمن لهم أي تأثير في مسير الأحداث) في تناقض تام مع مطالب جماهير انتفاضة 2010/2011 التي انطلقت من الفئات والجهات التي وقع تهميشها طيلة العُقُود الماضية…

مثلت سنوات حُكم الإئتلاف الذي يقوده الإخوان المسلمون والدّستوريون (باسم الديمقراطية ) تعزيزًا لسيطرة صندوق النقد الدّولي على اقتصاد البلاد، وتعزيزًا لدور قُوى الأمن (والقمع)، وتبرير المداهمات والتعذيب، وتعسّف رجال الأمن (الشرطة والدّرك) وفَرض الأتاوات والرّشوة، بالتوازي مع انتشار وتوسيع دَوْر المليشيات الإرهابية المُسَلّحة، باسم المُحافظة على النظام ومكافحة الفوضى، وظهر ذلك، منذ نهاية 2011، وبداية 2012، عند مهاجمة محلات ومناضلي الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء) وإطلاق رصاص « الرّشّ » على متظاهري منطقة سليانة، وإطلاق الرصاص الحي على تظاهرة جَرْحى ومُصابي الإنتفاضة، واغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي (2013)، والتغرير بالآلاف من أبناء وبنات الفُقراء للقتال مع المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا…

انطلقت انتفاضات وثَورات العالم، غالباً، من الأحياء الفقيرة أو من الأرياف، ولا تنطلق من أحياء الأثرياء أو مُتوسّطي الحال، ونادرًا ما انتفضت فئات البرجوازية الصّغيرة، بل تنتهز فُرصة انتفاضات الفُقراء والمُهَمّشين، لتقودها وتُحَرِّفَ أهدافَها، ويحصُل ذلك لأن الفُقراء والمُهَمَّشِين والعاملين باليوم (المياومين) والمُعَطَّلِين عن العمل، مَحْرُومون من التمثيل في النقابات والأحزاب، ومنظمات ما يُسمّى « المُجتمع المدني »، ويعمد بعض المُثقّفين « المُتَحَضِّرِين »، وبعض التّقَدُّمِيِّين « المُتَمَدِّنِين »، إلى تَبَنِّي خطاب الأنظمة القائمة، ولُغَة الإعلام السّائد، واستنكار « همجية البروليتاريا الرّثّة التي تعتدي على المتاجر والمصارف والمُمتلكات »، وينسخ الإعلام السائد بيانات وزارة الشرطة التي تدّعي « غياب الشعارات والمطالب الإقتصادية والسياسية والإجتماعية الواضحة »، لتستنتج السّلطة وإعلامها ومُثَقّفُوها العضويون أن هؤلاء الفقراء المنتفضين « شرذمة ضالَّة، تصطاد في المياه الآسنة »، وربما تُحَرِّكُها « أيادي خفية »، داخلية أو خارجية، حَسَدَت التونسيين على تمتعهم بنعمة الدّيمقراطية التي أتاحت للإخوان المسلمين التّحكم بالبلاد (بدعم من الذات الإلهية؟)، إلى جانب رُمُوز السّلطة السابقة، وبعض الرّموز الجديدة التي أسّست أحزابًا تُشارك ببعض النّوّاب وببعض الوزراء وكبار الموظفين…

تُشكّل الإنتفاضات، بطبيعتها، حدثًا مُفاجئًا، غير مُنَظّم وغير مُؤَطَّر، ولذلك لا تكون مطالبها وشعاراتها وأهدافها واضحة منذ البداية، ويتمثل دَوْر الأحزاب الثورية في التّحول من حزب نُخْبَة ثورية واعية، إلى صوت من لا صَوْتَ لهم، وصياغة مطالب المنتفِضِين، وإحداث نُقلة نوعية للإنتفاضة، أو الإحتجاجات العفوية، وتحويلها إلى ثورة، لها برنامج وخطة حُكْم مَرْكَزِي ومَحلِّي، ومُخططات وإجراءات عاجلة، وأخرى متوسّطة أو طويلة المَدَى، وهذا لا يحصل بين عشية وضحاها، بل يكون نتيجة لجهد سابق يجعل القيادات الثورية والمناضلين مُتهَيِّئِين وجاهزين (ذهنيا وعَمَلِيًّا) لتحويل مثل هذه الأحداث إلى ثورة…

أضاع اليسار العربي بالمغرب وتونس ومصر والسّودان وغيرها فُرَصًا عديدة، حيث يُساهم مُناضلو الأحزاب التقدمية والإشتراكية في الإنتفاضات العفوية لجماهير الكادحين والمُهَمّشِين والفُقراء، دون خطة ولا برنامج، ما يترك المجال للقوى الرجعية المُنَظَّمَة، التي تطلب من منتسبيها عدم المشاركة في « احتجاجات الغَوْغاء »، ويأتي الإخوان المُسلمون (إخوان الإمبريالية) في مقدمة هذه القوى التي لا تُساهم بالإحتجاجات، بل تستغل الفرصة للإستيلاء على السّلطة، بالتحالف مع من كان يحكم بالأمس، وهذا ما حصل بتونس، والمغرب، أما في مصر، فاستعاد الجيش السلطة، ليُنَكِّلَ بالجميع…

انتفاضة تونس، بعد عشر سنوات

يعتمد تقييم انتفاضة تونس، بعد عشر سنوات، على طَرْحِ بعض التّساؤلات، ومنها أين نحن من شعارات الإنتفاضة (شغل وحرية وكرامة ) وهل تحسنت ظُرُوف عمل الأُجراء والمُزارعين والمهنيين من ممارسي الحِرَف التقليدية؟ وهل أصبحت رواتب العُمّال والمُوَظّفِين (في الدرجات السُّفلى والمُتوسطة) تفي بحاجاتهم من غذاء ومسكن وصحة، وما إلى ذلك؟ وهل لَبّت السّلطة الحاكمة، منذ عشر سنوات، الإحتياجات الأساسية للسّكّان، من التّعليم والتّوظيف والسّكن والرعاية الصحية؟ وهل عملت أجهزة الدّولة على تحديد ومُراقبة الأسعار، وحماية السّوق الدّاخلية، وحماية محاصيل المزارعين؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، دون الإرتقاء إلى أسئلة أخرى (مشروعة) مثل: هل تسير تونس نحو الإستقلال الإقتصادي والأمن الغذائي…

نُلاحظ زيادة ضُغُوط صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، ونلاحظ تطبيق شروطه، بحذافيرها، ومنها خفض الإنفاق الحُكُومِي (باستثناء الإنفاق على الأمن والسلاح)، وإلغاء دعم المواد الغذائية الأساسية وخفض قيمة الدّينار، وخصخصة القطاع العام، وغير ذلك من الإجراءات التي أدّت إلى زيادة تدهور الوضع المعيشي للمواطنين، وإلى اندلاع احتجاجات وانتفاضات عديدة، وذهب العديد من المواطنين ضحية كل انتفاضة، دون أن يحصل تغيير إيجابي للوضع، وكانت انتفاضة 2010/2011 جُزْءًا من هذا المسار الإحتجاجي العفوي، الذي يُشكّل ردّ فعل على إجْراءات و قرارات ظالمة.  

أحْدَثَ تطبيق الحكومات المتتالية، منذ سنة 2011، لشروط صندوق النقد الدّولي تحوّلا كبيرًا في بُنية الإقتصاد والمجتمع، فانْسَدّت آفاق التّوْظيف والأمل في الصُّعود بعض دَرجات السُّلّم الإجتماعي (أو الطّبَقِي)، وأدّى إلى انهيار قطاع الزراعة، وإلى انتشار البطالة، وإلى ارتفاع حصة الاقتصاد غير الرسمي (الإقتصاد المُوازِي)، إلى نحو 50% من إجمالي الناتج المَحَلِّي، واضطر خرّيجو الجامعات وذوو الكفاءات المهنية، كالأطباء والمُهندسين، إلى الهجرة، المُنَظّمة، فيما جازف عشرات الآلاف بحياتهم أثناء عُبُور البحر الأبيض المتوسط، لأن من بقي بالبلاد، أصبح مُعطّلاً عن العمل، ويعمل أحيانًا بالمياومة، أو بعقود هَشّة، لا تعترف بالحقوق الإجتماعية والتأمين الصحي والإجتماعي…

أصبحت تونس، في ظل سلطة الإخوان المسلمين، في المرتبة السادسة عربيًا والرابعة والسّبعين عالميًّا في مؤشر الفساد العالمي لسنة 2019، مع الإرتباط المُباشر للمسؤولين السياسيين بمنظومة الفساد والامتيازات، بحسب تقرير اتحاد المصارف السويسرية عن الفترة 2013 – 2019، فيما ارتفعت نسبة البطالة من 12% بنهاية سنة 2010 إلى نحو 18% في حزيران/يونيو 2020، بحسب البنك العالمي، والمعهد الوطني للإحصاء، وتجاوزت نسبة البطالة 30% في المناطق التي انطلقت منها انتفاضة 2010/2011، وانخفضت نسبة النّمو (وإن لم تكن مقياسا للتنمية) من حوالي 5% سنويا في المتوسط، قبل عقد من انطلاق الإنتفاضة، إلى معدّل 2% خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، فيما تضاعفت نسبة الدّين العام بين سنتَيْ 2010 و 2019، وبلغ حجم الدّيْن العام 72,2% من حجم الإقتصاد سنة 2019، بحسب البيانات الرسمية، وتوقع البنك العالمي، بنهاية آذار/مارس 2020، أن ترتفع نسبة الدّين العمومي إلى 86,6% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2020، وذلك قبل توقف الإقتصاد وحركة النقل والتجارة، بسبب « كوفيد 19″، ما يرفع عجز الميزانية المُتَوَقّع إلى نحو 8,1% من الناتج المحلي الإجمالي، سنة 2020، وما يرفع حصة كل تونسي إلى حوالي ثمانية آلاف دينار من الدّيون (حوالي ثلاثة آلاف دولارا)، وتقتطع الدّولة سنويا (من جُهد العاملين) نحو 15 مليار دينارًا بالعملة الأجنبية (حوالي 5,62 مليار دولار) لتسديد الدّيون، وتوقع البنك العالمي (الإثنين 19 تشرين الأول/اكتوبر 2020 ) أن يتباطَأَ الاقتصاد التونسي بنسبة 9,2% بنهاية سنة 2020، لترتفع بذلك نسبة الفقر والهشاشة، ويتوقع نفس التقرير ارتفاع عدد الفقراء والمواطنين المعرضين للفقر من 16,2% إلى 22% من العدد الإجمالي للسّكّان، وخَسِرَ ما لا يقل عن مائتَيْ ألف أَجِير وظائفهم، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2020، وتراجعت قيمة الدينار التونسي من 1,18 دولارا، بنهاية سنة 2010، إلى نحو 2,8 دينار مقابل الدولار الأمريكي في أيلول/سبتمبر 2020، ويتوقّعُ أن ترتفع قيمة عجز ميزانية الدولة إلى حوالي 15% بنهاية سنة 2020، لتلجأ الدّولة إلى اقتراض نحو 4,5 مليارات دولارا، لاستخدامها في سد عجز سنة 2020 (حوالي 30 مليار دينار، أو نحو 11,2 مليار دولارا مُتوَقَّعَة بنهاية العام 2020 ) وتسديد دُيُون سابقة، وإلى مواصلة بيْع ما تبقّى من القطاع العام، ومن حصة الدولة في بعض القطاعات (كالنّقل بأنواعه والطّاقة والمصارف…)، وأظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء انخفاض الناتج المحلي بنسبة 21,6% بنهاية النصف الأول من سنة 2020…

يُشكّل الإقتصاد الموازي بتونس (كما في بلدان عربية أخرى، مثل المغرب ومصر ) نحو 50% من اقتصاد البلاد، أو من الناتج المحلِّي الإجمالي، كما ذكرنا في فقرة سابقة، ويُعاني العاملون به من الإستغلال والقَهْر وغياب الحُقُوق والتأمين الإجتماعي والصّحّي، أما الإقتصاد الرّسمي فتهيْمن عليه الدول الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، ويتحكم صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والإتحاد الأوروبي بالقرار السياسي للدولة التي فقدت هامش استقلالية القرار والسّيادة، ولن يتطور اقتصاد البلاد في ظل هذا الوضع، بل يبقى معتمدًا على القُروض، ويلهث وراء الإستثمارات الأجنبية والسائحين الأوروبيين المُتعالِين، ويبقى الإقتصاد مُثْقَلاً بالدّيُون، ما يَرْهَنُ مُستقبل ومَصير الأجيال القادمة…

لم تُفْضِ انتفاضة 2010/2011 إلى تغيير في جوهر النظام، وبقيت البلاد محكومة من قِبَلِ ائتلاف طبقي كُمْبرادوري (أي وكيل لمصالح رأس المال الأجنبي، ويُشارِكُهُ نهب الثروات واستغلال العاملين)، واعترف رئيس الحكومة (هشام المشيشي ) بهذه التّبَعِيّة، وبعدم حصول أي تغيير في المجال الإقتصادي، منذ 2010، وأعلن، يوم الثلاثاء، الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020:  » إن البلاد ليست بحالة إفلاس، ولكنها تمر بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وقد يصل عجز الميزانية، بنهاية سنة 2020، إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة البطالة إلى 20% من قوة العمل… »، بحسب وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات 03/11/2020)، وأعلن أن الحل يكمن في البحث عن قُرُوض خارجية جديدة، ومواصلة السياسات السابقة، المتمثلة في زيادة الحوافز والإعفاءات الضريبية، والإقتطاع من رواتب الأجراء، التي استفاد منها أرباب العمل والأثرياء، بدل محاولة القضاء على الفَقْر، وبلغت قيمة مجمل الحوافز الجبائية والإعفاء من تسديد ديون أرباب العمل للتأمين الإجتماعي، سنة 2019، نحو سبعة آلاف مليون دينارا، أو ما يقارب 18% من ميزانية الدّولة، البالغة أربعين ألف مليون دينارا، وللمقارنة، لا تتجاوز قيمة صادرات مجمل هذه الشركات، أربعة آلاف مليون دينارً، وبلغت أرباح الشركات الكُبرى المُدْرَجَة بالبورصة نحو 18 ألف مليون دينارًا، فيما لا تزيد قيمة الناتج المحلي الإجمالي عن 120 ألف مليون دينارًا…

تُتَرْجَمُ هذه الأرقام والنّسب إلى معاناة يومية للمواطن العادي، من الأُجراء والفُقراء والمُزارعين والمُعَطّلين عن العمل، أما الحكومات المتعاقبة فلجأت جميعا إلى قمع الإحتجاجات، وإلى تلجيم حُرِّيّة الرّأي والتّعبير، عبر رفع ميزانيات الشرطة والجيش، بذريعة مقاومة الإرهاب.

تُشير البيانات الرّسمية للمعهد الوطني للإحصاء (أيلول/سبتمبر 2020) إلى ارتفاع حالات التهميش والفقر، بين 2010 و 2019، في ولايات (محافظات) سيدي بوزيد والقصْرين والقيروان والكاف وسليانة وجندوبة وقفصة وتوزر وقبِلِّي، وهي مناطق لا تخطط الحكومة لتنميتها، رغم افتقادها للبُنْيَة التحتية الأساسية، وهي تتميز بارتفاع نِسَب البطالة، والهجرة غير النظامية، وضُعْف مُستوى التعليم، ولذلك يبقى مطلب التشغيل أو التنمية أو العدالة الإجتماعية قائمًا، لأن ائتلاف الإخوان المسلمين والدّساترة لم يُعر اهتمامًا لأي من هذه المطالب، وهو غير قادر على تحقيق هذه المطالب، لأنه ائتلاف قائم على التبعية لمصالح الدّول والشركات الأجنبية، ولا يُمكنه الخروج عن طاعتها، ولا عن أوامر صندوق النقد الدّولي التي تتمثل في خفض الإنفاق وخفض قيمة الدّينار، وإلغاء دعم المواد الأساسية، وإلغاء أي دعم للإنتاج الزراعي أو الصناعي الوطني، خلافًا لما تقوم به الدول الإمبريالية، وخصخصة ما تَبَقَّى من القطاع العام، وتصب جميع هذه الإجراءات في خانة تعميق الفجوة الطبقية، وتكثيف حدة الإستغلال والإضطهاد…

يُدْرِكُ المُستغَلُّون والمُضْطَهَدُون هذه الخطط ويُدْرِكُون أهدافَها بالسّليقة، ويُدْرِكُون أنها تستهدفُهم بدرجة أولى، ويتأثّرون بها سَلْبًا، وبسرعة، فما الذي يمنعهم (وهم أغلبية عَدَدِيّة في المجتمع) من الثورة ومن تغيير الوضع لصالحهم؟

لا تكفي الحماسة والوعي الحِسِّي لإنجاز تغيير ثوري، فالشباب المنتفض غير متجانس سياسيا، ولا يمتلك بديلاً أو تَصَوُّرًا للنظام والمجتمع البديل، كما أن الأحزاب والمنظمات، التي تَدّعي النضال من أجل الإشتراكية، لا تمتلك برنامجًا أو تَصَوُّرًا للمجتمع الذي تريد بناءه، ما يُجهض الإنتفاضات المتتالية، رغم التضحيات.

إن غياب التنظيم الثوري، لم يُمكّن من ترجمة مطالب المنتفضين، ومن تحويل الإنتفاضة إلى ثورة تمزج بين الإضراب والإعتصام واحتلال محلات المؤسسات السياسية كالولايات والوزارات ومجلس النواب، وكافة رُموز السلطة السياسية والإقتصادية، وافتكاك زمام السّلطة من الفاسدين واللُّصُوص، أي من الأثرياء. لقد أدّى غياب التنظيم الثوري إلى التفاف القوى الأكثر ثراءً (مادِّيًّا) والأكثر خبرةً وتنظيمًا، على مطالب المُتظاهرين والمُحتجّين، وسقط اليسار المائع في فخ الصراع المُفتَعَل بين « الأصالة » (الإسلامية) بدعم من مشيخة قَطَر و « المُعاصَرَة » (الدّستورية) بدعم من دُوَيْلَة الإمارات، ليتم إقصاء شباب « الثورة » من المَشهد الإعلامي والسياسي.

لقد أظْهَرَ شباب الإنتفاضة، أنه أكثر تَطَوُّرًا من أحزاب ومنظمات اليسار، لكنه كان يفتقر للتنظيم السياسي، وأظهرت اعتصامات القصبة، والعديد من أحداث الإنتفاضة، قُدْرَة شباب المناطق والأحياء المحرومة على ابتكار أشكال اتخاذ القرار بشكل جماعي، وممارسة ديمقراطية أُفُقِيّة، وأشكال النضال العديدة التي بثّت الخَوْف في صفوف قيادات اليسار التي تآمرت مع قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل، لوضع حدّ لهذه الفعاليات، وهي القيادات التي لم تُطلعنا على برامجها بشأن قضايا استراتيجية كنموذج التنمية، وقضايا آنية مثل تحسين حياة المواطنين الفُقراء، وتشغيل المُعَطّلين عن العمل، وتنمية المناطق المَقصية التي شهدت اعتصامات سنة 2020، ومنها ولايات قفصة وقابس والقصرين وتطاوين والقيروان و جندوبة، وأشرفَ على هذه الإحتجاجات، وعلى إضراب الأطباء والقُضاة وغيرهم، لجان أو « تنسيقيات » مُستقلة، ما يُثِير التّساؤل حول مكانة ودَوْر أحزاب اليسار، ودور القيادات النقابية.

Manifestation devant parlement tunisien contre Ghannouchi\Arab Observer

الوضع الإقتصادي، سنة 2020

سرّبت حكومة ائتلاف الإخوان المسلمين والدساترة، منذ بداية العام 2020، خبر احتمال لجوئها إلى طلب تأجيل تسديد أقساط الدّيون التي تضاعفت، خلال تسع سنوات وتحولت هذه الشائعات إلى واقع، في آذار/مارس 2020، عندما واجهت الحكومة صعوبات في تسديد أقساط بقيمة 200 مليون دولار في نيسان/ابريل 2020، وبقيمة 444 مليون دولارا، في حزيران/يونيو 2020، بحسب المصرف المركزي، وترتبط نسبة 70% من التمويلات الخارجية بنجاح التفاوض مع صندوق النقد الدولي، هذا التّفاوض الذي توقَّفَ طيلة سبعة أشهر، وسبق أن أجّل صندوق النقد الدولي تسديد أَقْساط من القرض الذي حصلت عليه الحكومة في أيار/مايو 2016 بقيمة 2,8 مليار دولار، استخدمت الحكومة مبلغ 1,6 مليار دولارا منه في تمويل عجز الموازنة، وبعض النفقات الأخرى، خلال خمس سنوات، مع العلم أن قُروض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ليست مُوَجَّهَة للإستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتخضع لشروط مجحفة، ومن المعلوم أن تكاليف طلب تأجيل أو إعادة جدولة تسديد الأقساط، مُرتفعة، سياسيا وماليا، وقُدِّرت احتياجات الدولة التونسية من التمويلات الخارجية في بداية العام 2020، بنحو أربعة مليارات دولار، ثم ارتفعت لاحقًا إلى أكثر من خمسة مليارات دولارا…

أعلن رئيس لجنة المالية بالبرلمان يوم الجمعة 30 تشرين الأول/اكتوبر 2020، بحسب وكالة تونس إفريقيا للأنباء، وبحسب الموقع الإلكتروني للبرلمان، أن ديون البلاد بلغت 90 ألف مليار دينار، وبذلك فاقت نسبة التّدايُن 100% من الناتج الداخلي الخام (الذي انخفض سنة 2020، مقارنة بسنة 2019)، بالإضافة إلى ديون المؤسسات العمومية البالغة قيمتها 17 مليار دينارا، ما يرفع حجم الدّين الإجمالي إلى 114 مليار دينار، وأعلن المصرف المركزي التونسي، خلال نفس اليوم، 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تسجيل الاقتصاد التونسي انكماشا غير مسبوق بنسبة 10% خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2020، وبلغت نسبة التضخم 5,4% على أساس سنوي، بنهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020…

سبق أن اعلن وزير الإستثمار، يوم 13 تموز/يوليو 2020، أن الحكومة التونسية تتفاوض مع عدد من الدول بهدف تأجيل تسديد أقساط قروض مُبرمجة خلال العام 2020. أما رئيس الحكومة التونسية فقد نفى يوم الإثنين 14 كانون الأول/ديسمبر 2020 أن تكون الدّولة مُهَدَّدَة بالإفلاس، وادّعى « إن تونس لازالت تحظى بثقة المستثمرين والمانحين الدوليين والمستثمرين ».

في نفس اليوم، طالب البنك العالمي، يوم الإثنين 14 كانون الأول/ديسمبر 2020، الحكومة التونسية ومجلس النواب بالتسريع في تنفيذ جملة من الاصلاحات التي تعهدت بها الحكومة منذ سنة 2018، وعلّق رئيس لجنة البرلمان للمالية والتخطيط والتنمية: « لقد كانت قُرُوض البنك العالمي لتونس في السنوات الأولى، بعد الاستقلال، مُوجّهة لتمويل التعليم العمومي وبناء البنية التحتية دون أن تخضع تونس لشروط مجحفة أو املاءات، أما الآن فإن العلاقة تهدد سيادة تونس، لأنها ذات خلفية استعمارية… »

تتمثل هذه « الخَلْفِيّة الإستعمارية » في مُشاركة القوى الأجنبية في تشكيل الحكومات التونسية، وشاركت حكومة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمات التنمية الدولية الأخرى، في اختيار أعضاء حكومة « المشيشي »، قبل وبَعْد تحوير منتصف كانون الثاني/يناير 2021، لضمان سيادة « السوق الحرة »، والليبرالية الإقتصادية، ما يُمثّل تجسيدًا صارخًا للهيمنة الإمبريالية على البلاد، ولا يمكن لأي قوة معارضة، تَعمل على تغيير الوضع، إهمال أو تجاهل هذه الهيمنة التي تُشكّل اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي (أليكا) أهم رُمُوزِها، بالإضافة إلى أوامر صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي.

يتميز الوضع الحالي بهيمنة القوى الإمبريالية الأجنبية التي تتقاسم النفوذ السياسي ، وعلى رأسها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وفرنسا بشكل خاص (بمشاركة تركيا وقطر والإمارات)، ويتميز الوضع، السياسي الدّاخلي، بقَضْمِ بعض المكتسبات مثل حرية التعبير والرأي، والوضع الإقتصادي بضُعْف النّمو والوضع الإجتماعي بارتفاع نسبة البطالة والفَقْر، وهي نفس الأسباب التي أدّت إلى انتفاضة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010…

إن حكومة تونس لا تملك حرية اتخاذ القرارات الإقتصادية، بل يتحكم صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وبقية الدّائنين بمثل هذه القرارات، ومن يتحكم بالقرار الإقتصادي، يتحكم بالقرار السياسي، ولذا يمكن اعتبار تونس فاقدة أو منقوصة السيادة، سوى في مجال القمع.

Tunisie [Vidéo]: Nouvelle manifestation des ouvriers de chantiers

ما الآفاق؟

أصبحت الإحتجاجات والإنتفاضات، منذ انتفاضة 1983/1984، تنطلق من « الأطراف »، أي من خارج المُدُن الكبرى، ومن خارج المناطق العُمالية، وتقودها فئة الشباب التي وقع تهميشها، وإقصاؤها من المجالات الإقتصادية والسياسية، وشكلت انتفاضة 2010/2011 صفعةً للعديد من القُوى المحسوبة على اليسار، والتي كانت تُعَوِّل على دعم الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، ونظمت بعض الفعاليات، مع الإخوان المسلمين، سنة 2005، في تونس، وكذلك في مصر وسوريا، دَعت من خلالها، جهرًا، وبدون حياء، الإمبريالية للتدخل في تونس ( أو في مصر أو غيرها)، لتغيير الدكتاتور بحاكم آخر غيره، بذريعة عدم قُدْرة الفئات الشعبية على الإحتجاج وعلى تغيير السلطة (وليس النظام)، ولَمَّا انطلقت احتجاجات 2010/2011، لم تُضِفْ منظمات وأحزاب اليسار التونسي « قيمة زائدة »، ولم تتمكن من المُحافظة على بعض الأُطُر التي أنشأتها قواعدها، بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011، ولم تُجَذّر الشعارات ذات الصبغة الديمقراطية، بل أصَرّت قياداتها، بكل حماقة، على مطلب انتخاب مجلس تأسيسي، لا تضمن داخله أي وزن سياسي، فهيمنت القوى الأشد رجعية في المجتمع على هذا المجلس، كما لم تكترث قيادات منظمات اليسار بمرحلة ما بعد « بن علي » (أو بالبديل)، لافتقادها لأي برنامج تقدّمي بديل، ولم تُركّز، لحد سنة 2021، على مطالب جوهرية، مثل إلغاء الدّيون التي تُشكّل، مع شروطها المجحفة، شكلاً من أشكال النهب لثروات البلدان المُسْتَدِينة، ونقلاً للثروات (أي جُهُود العاملين، وفائض القيمة) من « الجنوب » إلى « الشّمال »، ولا يقلُّ ذلك خطرًا عن السرقة والتّهريب.

إن اليسار (الإتجاهات الإشتراكية) غير معني بسياسات الوفاق الطّبقي، بل بِبَلْوَرَةِ الوعي ونشر الفكر الثوري الإشتراكي، مع المبادرة إلى إنشاء مجموعات اقتصاد تضامني أو تشاركي، سواء في الأرياف (الزراعة وتربية المواشي، وتصنيع الإنتاج الغذائي)، أو في الحَواضر، لإنشاء تعاونيات حرَفِيِّين أو في قطاع الخدمات والتجارة، وغيرها، على أُسس المُساواة بين العاملين، والضّغط لتغيير القوانين السّائدة التي تَضع العديد من العراقيل أمام إنجاز مثل هذه المشاريع…

إن مثل هذه المشاريع تُمكّن اليسار من الإنغماس في الواقع اليومي للشغالين وللمَحْرُومين، ويمكن أن تكون نواة لبرنامج مُستقبلي يقع تنقيحه وفق الصعوبات أو السلبيات والإيجابيات التي يُظْهِرُها العمل اليومي…

عند ذلك يمكن لليسار أن يُشارك في الإنتخابات البلدية، بشعارات تدعو إلى إنجاز برامج التنمية عبر العمل الجماعي والتّشارُكِي، وعند ذلك يمكن لمناضلي اليسار المُشاركة، وربما قيادة الحركات المطلبية للسكان، في مواقع العمل أو في مواقع الإقامة…

رَكّز اليسار على العمل النّقابي، وهو أمر إيجابي، لكنه لا يكفي، بسبب حُدُود العمل النقابي (فهو « إصلاحي » بطبيعته ) وبسبب احتواء البيروقراطية لمن يُصبح مسؤولا عن قطاع أو عن اتحاد جهوي، ولم تتمكن منظمات اليسار من مواكبة مرحلة إعادة هيكلة الإقتصاد التي فرضتها مؤسسات « بريتن وودز »، ومن مواكبة التحولات في تركيبة الطبقة العاملة، التي اتّسمت بالتفتيت والتشتيت، ما يزيد من صعوبة تجميع وتنظيم الفئات الجديدة من العُمال بقطاع الخدمات، وكذلك بالقطاع الموازي، أو باليوم، أو بعقود هشة ومؤقتة، ناهيك عن صعوبة تجميع وتنظيم المُعَطّلين عن العمل، إضافة إلى تنوعهم وعدم تجانسهم، ما خلق صعوبات جديدة أمام محاولة تجميع وتنظيم العاملين، وتحويل الوَعْيَ الجنينِي أو الحِسِّي إلى وعْي طبقي، وهو ما يُفَسِّرُ، جُزْئِيًّا، عدم تحَوُّلِ ردود الفعل والإحتجاجات والإنتفاضات (التي تُطْلِقُها الفئات التي تركها النظام الإقتصادي والسياسي على الهامش) إلى ثَوْرات ضد أُسُس النظام، بهدف استبدال النّظام القائم بنظام يعتمد السيطرة على الموارد المحلية، ومَبْني على العدالة في توزيع الثروات، والمُساواة في الحُقُوق والواجبات، وعلى مُشاركة الجميع في التصميم والتنفيذ والتّقْويم…

ليس من دور الثوريين اللهث وراء الأحداث، بل صُنع الأحداث، وتحويل الغضب إلى عمل جماعي ومنظم، وتحويل العمل العفوي إلى عمل ثوري ضد النظام الطبقي، نظام الإستغلال والإضطهاد، وإلى فرصة لاستبدال هذا النظام بنظام اشتراكي عادل، وليس بنظام برلماني يُشكّله ويُهيْمن عليه رأس المال، ليسْتَغِلَّ ويَضْطَهِدَ ويَقْمَعَ باسم « الدّيمقراطية » التي لم تُحقق الأحلام والمطالب البسيطة لشباب الإنتفاضة.

Des ouvrières tunisiennes en grève de la faim pour le droit au travail |  L'Humanité
عملات  تونسيات في إضراب

ماذا أعدَدْنا للمرحلة القادمة؟

يتطلّبُ الوضع الحالي نقدًا يتمثل في الوقوف عند أخطاء القوى السياسية التقدمية، وبشكل خاص تلك التي تتبنّى الإشتراكية، خلال الإنتفاضة، والفترة التي لحقتها، بهدف تفاديها في المستقبل.

من دور ومن واجب اليسار الإشتراكي تحويل الإحباط، إلى عملية تطوير وَعْيِ المواطنين بقوتهم كمجموعة، وليس كأفراد، وبإمكانية تحقيق الإنتصارات، ولو جُزْئيّة، على النظام، رغم ترسانة القمع والإعلام المرتزق، والمنظومة القانونية التي وقع إقرارها بذريعة « مكافحة الإرهاب ».

ركَّزت بعض فصائل اليسار التونسي (وكذلك المصري والسُّوري والمغربي وغيرها) على المطالب الليبرالية، كحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات الفَردية والحُرّيات السياسية العامّة، بالتّحالف مع اليمين الليبرالي والإسلامي أحيانًا، وبتمويل من منظمات أمريكية وأوروبية، وأهملت معظم منظمات اليسار مطالب واهتمامات ومصالح الطبقة العاملة والفُقراء (التي تَدّعِي تمثيلها، والدّفاع عن مصالحها)، كما أهملت عَمْدًا، وباسم « التّكتيك »، الرّبط بين مطلب الحريات الفردية والديمقراطية، ومطالب العاملين والفُقَراء وأهمها: عقد اجتماعي جديد يتضمن الشغل والكرامة، وإعادة توزيع الثروة، ما خلق قطيعة بين هذه الأحزاب والفئات التي تدّعي تمثيل مصالحها…

اكتفت بعض منظمات اليسار التونسي باحتلال بعض المراكز داخل الإتحاد العام التونسي للشغل، فابتلَعَها الجهاز النقابي البيروقراطي الضخم، عبر امتيازات التفرغ النقابي، ودورات التدريب التي تُشرف عليها منظمات أجنبية (مثل « فريدريك إيبِيرت ») في الفنادق الفاخرة، وأحيانًا خارج البلاد، والإبتعاد عن مواقع العمل، وبالتالي عن المشاغل اليومية للشغالين، وكذلك عبر المحفزات المالية العديدة…

في المقابل، نجح المواطنون (ومن ضمنهم بعض مناضلي اليسار، كأفراد وليس كمنظمات) في افتكاك بعض المكاسب الآنية، كما جرى في أرخبيل « قرقنة »، وكما جرى (ويجري) في مجال التنمية الفلاحية، في « جمْنة » (الجنوب الغربي)، وأظهرت هذه التجارب، نجاح المواطنين، بفضل دفاعهم الجماعي عن مكاسبهم، في جعل الدولة تتراجع، بعد ممارسة التهديدات والإعتقالات والحصار المالي، وقد تكون مثل هذه التجارب منطلقًا لتأسيس أو تطوير برنامج للإقتصاد التشاركي، أو التضامني، ونواة لبرنامج مُستقبلي، ضمن خطّة شاملة لتحويل الحركات العفوية إلى ثورة، بدل الإنجرار وراء التّيّار…

الطاهر المعز

ملحوظة أولى:

وردت بعض البيانات والمُعْطيات الإقتصادية (بتصرف) في مقالات سابقة، وأعدْتُ إدراجها، مع بعض التّحوير، نظرًا لراهنيتها، ولعدم وجود أرقام وبيانات حديثة

 

ملحوظة ثانية:

رَكّزْتُ على نقد اليسار ( وهي عبارة فضفاضة وغير دقيقة) لأنني مَعْنِي بمخططات وببرامج اليسار، ولذلك أُساهم في نقده، وكذلك في محاولة تقديم البدائل، من وجهة نظر اشتراكية.   

Leave a Reply