Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Algérie Politique, Education - formation., Histoire, Lutte de libération nationale.

عن دستور لعاربة, الهويّة الخيالية, مناخ الأعمال التجارية, الفاتح من نوفمبر, المجتمع المدني وغيرها من القضايا. بقلم: محمد بوحميدي. ترجمة: علي إبراهيم

بقلم: محمد بوحميدي

ترجمة: علي إبراهيم

.للجبهة الداخلية حتى في مواجهة التدخل المخزي للبرلمان الأوروبي
 
عندما نجعل "المجتمع المدني" دستورياً، فإننا نجعل "قيماً" مثل "المجتمع الدولي" (الولايات المتحدة ، المملكة المتحدة ، فرنسا ، ألمانيا ، كندا ، أستراليا ...) دستورية أيضاً، "قيم" تمنح الحق المطلق في الكلام والعمل للمنظمات غير الحكومية ولأيٍّ كان دون القدرة على معارضته بالتشريعات أو اللوائح الوطنية. إذا تمّ التوقيع عليه وإصداره، فإنّ أية منظمة دولية سوف تواجهنا به لإجبارنا على حرية التعبير والعمل المطلقة للمنظمات غير الحكومية والصحفيين الذين يخرجون على القانون الجزائري.  

إنّ رفض شعبنا لهذا الدستور كان نتيجةً لمسارٍ شهد مديح الإدارة الحكومية الحالية للحراك الثاني (حراك المنظمات غير الحكومية و درارني)، والسماح لربراب بتسريح مئات العمال من أجل معاقبتهم على رغبتهم في ممارسة حقهم القانوني في التنظيم النقابي، والثناء على ماكرون والرغبة في مناقشته حول ما يجب أن تكون عليه ذاكرتنا، ودعوة الإمارات للاستثمار في بلدنا من خلال وزارة التجارة، وإدانة الشعب اليمني في دفاعه عن النفس من خلال استنكار القصف الصاروخي لخزانات النفط في جدة الخ.  

إنّ دعوة الجيش الوطني الشعبي لتعزيز الجبهة الداخلية ورغبة شعبنا في الدفاع عن دولتنا الوطنية وفي بذل الجهود والتضحيات اللازمة لتحقيق هذا الهدف سوف تصطدم بشدّة مع الهدايا التي تمّ منحها للأوليغارشية ومع تناقضات وعناد هذه الإدارة في متابعة طريق الاستيعاب الاقتصادي والأيديولوجي والثقافي لاقتصاد السوق المرادف للإمبريالية والاستعمار الجديد.    

كُتب هذا التحليل في ذروة التعبير عن هذه التناقضات. هل تراه ما زال قادراً 
على الإضاءة على تلك التناقضات؟
 
أعيد نشر هذا التحليل للتأكيد على أنّ هذا الدستور كان أحد الأسباب، إن لم يكن السبب الحاسم، للتفتت الحالي.   

..

عن دستور لعاربة, الهويّة الخيالية, مناخ الأعمال التجارية, الفاتح من نوفمبر, المجتمع المدني وغيرها من القضايا

بقلم: محمد بوحميدي

ترجمة: علي إبراهيم

في 12 سبتمبر 2019 ، طلب مني بعض أصدقائي الردّ بشكلٍ عاجلٍ على ظهور مفردة « تمازغا » الجديدة في الشائعات حول مشروع دستور لعاربة . لم يكن هذا النص بحوزتي. كنت مهتماً بفهم كيف أمكن لهذا اللفظ الجديد أن يجذب الكثير من البالغين والشباب. كيف يمكن أن تحظى عملية اختلاق هويةٍ بهذا النجاح؟ لذلك تحدثت عن هذا اللفظ الجديد وعن التحديثات التي يدخلها على عقدة النقص الخاصة بنا كشعوبٍ مستعمرة. بالطبع، فقد كانت أدوات فرانز فانون ثمينةً بالنسبة لي. وبالتالي فهي محاولة لفهم السياق الثقافي والتاريخي لظاهرة التمسك بتلفيقٍ للهوية يتعارض بشكلٍ واضح مع هويتنا الجزائرية، ويطالب بوضوح وجود دولةٍ عرقية وتتبناها وهو الأمر الذي توصي به الأوساط الإمبريالية والصهيونية والاستعمار الجديد وتضعه موضع التنفيذ حيثما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

أضفت مقطع فيديو آخر: « بين علم الحيوان والأنثروبولوجيا: ولادة العرقية والعنصرية الجزائرية »، من أجل مناقشة الاستخدام المهووس لعلم الوراثة في إثبات النقاء العرقي لسكان بلادنا الأصليين. إنّ اللجوء إلى النقاء العرقي يحمل في طياته علامات النازية والفاشية. تم استخدام هذا اللجوء إلى علم الأحياء في القرن التاسع عشر لإثبات دونيتنا جميعاً، السود واليهود وأيضاً العرب والبربر الذين تمّ خلطهم مع نفس تسمية العرب. هل يجب أن نذكّر كل هؤلاء العنصريين الجدد أنه وفقاً لكل الأديان، كل الأساطير، كل معتقدات الأجداد، فقد ولدت الإنسانية بدخولها عصر الثقافة وبالتالي مغادرتها الطبيعة؟ لا يمكن تحديد هوية البشر بشكل عام وكل مجموعة من البشر إلا من خلال ثقافتهم وليس من خلال بيولوجيتهم.

   لم يكن هذان الفيديوان للردّ على دستور لارابا الذي لم يكن مضمونه معروفاً لنا. لكن أيّ دستور، مثله مثل أيّ تشريع، وأيّ شكلٍ من أشكال القانون في الواقع، يقوم بترجمة فلسفة القانون إلى مصطلحاتٍ قانونية وكلّ فلسفةٍ للقانون ترتكز على فلسفة الإنسان والمجتمع. ساهم هذان الفيديوان في النقاش حول الفلسفة الكامنة وراء هذه المفردة الجديدة « تامزاغ « ، وسقوط معنى الأمازيغية من أعمال الأكاديمية البربرية والمؤتمر الأمازيغي العالمي.

    هاتان المنظمتان غير الحكوميتان اللتان تروجان لهذه الهوية أوصلتا هذه العملية إلى غايتها. لقد جعلتا منها قضيةً تمّ ادراجها في عمل لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في جلستها الرابعة والأربعين في مايو 2010 ، أوصت هذه اللجنة الدولة الجزائرية بالاعتراف بالأمازيغية كلغةٍ رسمية، وضمان تدريسها، وحظر تعدد الزوجات والوصاية على النساء، والسماح بزواج المسلمة من غير المسلم. إنّ هذه اللجنة لا تناقش حقوق الإنسان ولكن حقوق المجموعات العرقية والشعوب المضطهدة والسكان الأصليين أو تحت الاحتلال. إنّ تعدد الزوجات، والوصاية على النساء والتنوع الديني في الزواج هي الغطاء الحداثي للمبدأ الأكثر جوهرية بلا حدود للواجبات التي تقع على عاتق دولةٍ محتلةٍ لاحترام حقوق السكان الأصليين. هذه التوصية بخلفيتها الفلسفية والسياسية أضحت الآن مندرجة في دستورنا. تُدرج الدولة الجزائرية نفسها الآن كدولةٍ متمايزة عن السكان وبالتالي عن أراضيهم، كما كانت تفعل دول الانتداب. إنّ أولئك الذين يقدمون هذه التوصيات يعيقون تطور دولتنا الوطنية ووعينا الوطني، لإبقائهما في مراحل تجاوزوها هم أنفسهم، بما في ذلك عندما يسعى وكلاؤهم المحليون إلى بيعنا الوصفة الفدرالية السحرية.

تمّ تضمين هذه التوصية لأول مرة في دستور بوتفليقة. ويقوم دستور لارابا بإعادة تجديدها. يعيدنا هذا الحكم إلى الإثنية، على مستوىً متفاقم، من خلال تضمين الأمازيغية، وتنوع اللهجات الجزائرية دلالةً واحدة، وبالتالي التأثير على هذا التنوع من خلال الاستهداف الضمني لهذا الانسجام / التفرد الذي تشكله قواعد الصرف والنحو، مما أدى في الحقيقة إلى هيمنة لهجةٍ واحدة وقواعدها على اللهجات الأخرى [1]. إنّ هذا الأمر مصدر مؤكّد لانقسام شعبنا، الذي عمل بالفعل بألف طريقة لصقل خصوصياته. وبينما يتم التعبير عن الحداثة على أنها وصفات ومبادئ كونية – وكونية عصرنا، هي مفاهيم الأمة والدولة الوطنية، الموضوعات الوحيدة للعلاقات الدولية – يعيدنا دستور لارابا إلى الخصوصيات العرقية. إنّ إضفاء الصبغة العرقية على الهوية يتماشى مع الفكر الإمبراطوري « الصحيح » الحالي، ذلك الفكر الذي يدمّر الدول القومية، منذ عام 1990 ، تمّ الترويج لدارفور، لكردستان وبلاد السنّة، لأزواد، إلخ، من أجل منع دول الأطراف الخاضعة من الوصول إلى حداثة المركز المهيمن، من خلال عدم تقديم نموذجٍ – وأمرٍ زجري – سوى حداثةٍ وهمية لترويج « الأقليات » (من بينها مثليي الجنس) والخصوصيات.

 كما أنه يحيل انتمائنا إلى منطقة الحضارة العربية الإسلامية إلى مرتبةٍ ثانية، وهو عنصر مهم آخر للكونية التي تشير إليها القوى الغربية الكبرى صراحة، وجميع تلك القوى تقول أنها تنتمي إلى الحضارة الغربية أو المسيحية المستوحاة من الإرث اليوناني-الروماني أو اليهودي-المسيحي كما تمّ ترويجه مؤخراً. من خلال هذه الإحالة، يعير دستور لارابا نفسه لجميع استراتيجيات الاستثمار والتلاعب في فهم ديننا التي نسقتها الإمبراطورية الإنجليزية ونجاحها الوهابي والولايات المتحدة الحالية ومشاتلها التي تغرس فيها مختلف التمظهرات الجهادية من « الأفغان » إلى « داعش » » مروراً بفرنسا وألعابها المتمثلة بالزوايا. وبالتالي، فإن أعلامهم المزيفة التي لا تعدّ ولا تحصى، المستترة تحت أقنعةٍ أصولية، يمكنها الظهور كأوصياء على العقيدة في مواجهة دولةٍ تستعجل الاصطفاف في صف الإملاءات « الحداثية » والعلمانية. إنّ إعطاء التفوق للعرق على حساب الحضارة هو نزع كامل للسلاح الثقافي لدولتنا الوطنية في مواجهة بوابات التخريب الإمبريالي هذه. إذا لم تدافع دولتنا عن التفسير الديني التحرري للأمة والبشر المنصوص عليه في فلسفة الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، فإنّ حقل مناورات وتخريب الاستعمار الجديد من خلال الثقافة والدين سوف يتم اكتشافه على نطاقٍ واسع. إنّ إدراج الإسلام على أنه دين الدولة وفصله عن الحضارة هو اختزال للإيمان إلى شكليات، بينما نحن بحاجةٍ إلى مثلٍ أعلى حضاري لمقاومة البربرية الاستعمارية والإمبريالية.

وقد حذّر محمد بوخبزة من هذا الخطر: « في معظم دساتير الدول العربية، يعتبر الإسلام دين الدولة، مما يعني أنّ الدولة، بصفتها تجسّد مصالح المجتمع بأكمله، مسؤولة عن احترام هذا الدين ونشره والدفاع عنه ومواءمة الجهاز التنظيمي ونمط التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية مع روح هذا الدين. ونتيجةً لذلك لا تستطيع الدولة منطقياً، دون أن تلغي نفسها، قبول وجود هيئاتٍ أخرى تنافسها في ممارسة سلطاتها. ومن الواضح أنّ هذا يعني أيضاً أنّ الدولة الحديثة مطالبة بإشراك المواطنين والمؤسسات في دعم الثقافة الدينية وتنميتها بما ينسجم مع مصالح وتطلعات المجتمع وتحريره الضروري.

 إذا كان هذا هو مفهوم العلاقة بين الدولة والإسلام، فيمكن للمرء أن يفهم أنه بصرف النظر عن القواعد التي تم سنّها، فإنّ أي قبولٍ بامتلاك أو استغلال هذا الدين من قبل مجموعاتٍ أو أفراد، بحجة الدفاع عنه، يعني أنّ الدولة ليست في وضع يسمح لها بتولي الصلاحيات المحددة لها بموجب الدستور. إنّ مثل هذه النتيجة ستضر بلا شك بمفهوم ومصداقية النظام المؤسسي، الذي قد تصبح صلاحياته في موضوعاتٍ أخرى موضع تساؤل، بمبادرةٍ من جمعياتٍ أوعشائر لها مصلحة بذلك ولهذا السبب، ولتجنب أيّ انزلاق، من المهم للدولة أن تحدد بأحكامٍ قانونية وتنظيمية ما يدخل في اختصاصها وما يدخل في اختصاص الأحزاب أو الجمعيات الدينية.  « 

في كل مكان، منذ نضالات التحرر الوطني، سواء كانت ذات تطلّعاتٍ اشتراكية أو رأسمالية، حدثت تطورات اقتصادية في مناطق الحضارات العظيمة لأنها أرض التطورات البشرية السابقة والقيم الكونية. يتم إحياء العلم والثقافة والخيارات الاقتصادية الأخرى في كل مكان في هذه المناطق التي كانت ذات يوم طرقاً تجارية محمية. إنّ هذا التفكير « الصحيح » حسب معايير الإمبراطورية و « المجتمع الدولي » الذي نصّب نفسه يضفي الطابع الرسمي على اندماجنا في العالم الذي استعمرنا. وبذلك نكون قد تخلينا عن إعلان الأول من نوفمبر الذي تحدث عن الأمّة الجزائرية.

هذا الإعلان الذي أكّد أيضاً أنّ الدولة الجزائرية يجب أن تكون اجتماعية، أي بما يعود بالنفع على كل الشعب دون تمييز بين الطبقات. بل إنّ بن مهيدي في نصه « الأهداف الأساسية لثورتنا » (المجاهد ، 1956) تحدّث عن الإصلاح الزراعي والاشتراكية:

« إنّ الشعب الجزائري يحمل السلاح مرةً أخرى من أجل طرد المحتل الإمبريالي، والحصول على جمهوريةٍ ديمقراطية واجتماعية كشكلٍ من أشكال الحكم، ومن أجل نظامٍ اشتراكي يتضمن بشكلٍ خاص إصلاحاتٍ زراعية عميقة وثورية، من أجل حياٍة أخلاقية ومادية لائقة. من أجل السلام في المغرب العربي. « 

ولكنّ المادة 43 ، التي رافقت أيضاً أحد أحكام دستور بوتفليقة، تنص على أنّ: « حرية الاستثمار والتجارة معترف بها. وتتم ممارستها في إطار القانون.

« يحظر القانون الاحتكار والمنافسة غير المشروعة. « 

« تنظم الدولة السوق. يحمي القانون حقوق المستهلكين. « 

إنّ حرية التجارة هي التعبير الملطف الذي يخفف تعبير النهب الرأسمالي: إنها حرية الثعلب في خمّ الدجاج. لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن تكون الدولة التي تدون هذا الشعار على واجهتها دولةً اجتماعية. لا يمكن أن تتعارض أية مصلحة جماعية، بما في ذلك مصلحة الأمة، مع مفهومٍ للقانون أكثر من هذا المفهوم الذي يتمّ، فوق ذلك،  النص عليه بشكلٍ ايديولوجي وفلسفي مباشر أضفى الشرعية على أولوية الملكية والمصالح الفردية على المصالح والاحتياجات الجماعية. إنّ إدراج هذا الاختيار للرأسمالية في الدستور وفي هذا الشكل الأيديولوجي تنبئنا أنه لا رجوع عنه. تتحول هذه الوحشية الأيديولوجية إلى وحشيةٍ سياسية بكل معنى الكلمة عندما يوفر النص ضمانةً من الدولة لـ « مناخ الأعمال ». يعتبر « مناخ الأعمال » الجيد مطلباً سياسياً لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات و « المستثمرين » من أجل أن تقوم الدول بالتخفيف من قوانينها ولوائحها الناظمة أو تعديلها وفقاً لاحتياجات اللاعبين العالميين في مجال التجارة والصناعة. لم يعد القانون المستدام هو الذي يحكم الشركات بل رجال الأعمال هم من يملي على الإدارات الترتيبات اللازمة. إنّ القول بنفس الصياغة أنّ هذا الامتياز يُمنح « بدون تمييز » يعني منحه لأية شركة أجنبية أيضاً. هذا التكرار هو ضمان للمؤسسات المالية الدولية بأنّ بلادنا « تتطبّع »، وتمتثل للمعايير والمقاييس. لقد اتضح أنّ هذه الصيغة لا تحيلنا إلى الرأسمالية بشكلٍ عام، أي كعملية إنتاج وتبادل أو كظاهرةٍ تاريخية، بل  إلى مرحلةٍ معينة من الرأسمالية، في أسوأ مراحلها: أي الليبرالية الجديدة. حتى في النظام الرأسمالي المتطور، فإنّ الليبرالية الجديدة هي موضع انتقاد كمرحلة من الرأسمالية التي دخلت في أزمة. أما فيما يتعلق بالضمانة المفترضة التي تمثلها صيغة « في خدمة التنمية الاقتصادية الوطنية »، يمكن للمرء أن يتساءل متى سيتم تقييم الوفاء بهذا الشرط: بعد نهب الموارد، بعد إعادة إخراج الأرباح إلى الخارج أكبر بعدة مرات من  » « الاستثمار » الأولي، أم بعد تجفيف المياه الجوفية، إلخ. ؟ وكيف بعد ذلك إنهاء الترتيبات المتخذة؟ بموجب أي تحكيم؟ هل ننجح مثل أستراليا التي نجت منها في اللحظة الأخيرة فقط [2]؟

دستور لارابا هو دستور يلبي طموح الأوليغارشية في الخروج من حقيقتهم  كعصاباتٍ تكونت في ظل حكم الرئيس بوتفليقة وفي أن يصبحوا طبقةً اجتماعية بالمعنى الحديث للكلمة. هذا يعني أنه كلما تكونت ثروة، تعترف كل مجموعة من الأوليغارشية أنه يجب عليهم النظر إلى أنفسهم كطبقةٍ مصلحتها المشتركة أكبر من مصلحة أيّ أحدٍ من أعضائها ومن مجموع مصالحهم المشتركة. هذا هو الدرس الكبير من المحاكمات الحالية وزلزال الحشد الشعبي من فبراير إلى مايو 2019 الذي كاد يقضي على كلٍّ من الأوليغارشيين الذين استأثروا بأجهزة الدولة وعلى شركائهم من المسؤولين الفاسدين في هذه الدولة. لقد اغتنت هذه الرأسمالية التي تلقت الدعم، رأسمالية الضرع، من خلال احتكار موارد الدولة. تنص هذه المادة 43 على أنّ الدولة ستلغي كل احتكار، أي احتكار التجارة والصناعة، وهي القاعدة الحالية لكثير من المنتجات المستوردة. لكن قبل كل شيء يجب أن نفهم من هذه المادة إلغاء أي احتكار لموارد الدولة. من أجل أن يكون مشروع الرأسمالية « المتحضرة » هذا ممكناً، يجب أن يجعل هذا الطموح الطبقي الذي وضعه دستور لارابا الناس يعترفون بأن المصالح الخاصة لهذه الطبقة هي مصالح المجتمع بأسره. لقد فقدت مجموعات الأوليغارشية هذه للتوّ أية فرصة لتشكيل نفسها كطبقة. إنّ التحوّل إلى طبقة عملية طويلة تعي فيها الطبقة نفسها على أساس تجربتها التاريخية الملموسة والحقيقية. ولكن في هذا الدستور، الطبقة فكرة معيارية، وفكرة « جاهزة » وظيفتها السياسية الحقيقية هي تطبيع دولتنا كجزء من إعادة اندماجها منذ إنفتاح الشاذلي في اقتصاد السوق المعولم. لا يمكن لأية أمّة أو أية طبقة مهيمنة أن تتحقق من خلال استعارة الأفكار، فالمحاكاة ليست بحثًاً عن الذات ولكنها إبادة للذات. والأمر أسوأ من ذلك بالنسبة للدول القومية: لا يمكنها أن تكون على المستوى الدولي إلا من خلال تمثيلها إرادة أمةٍ واحدة، وليس تنفيذ إرادة الآخرين.

إنّ إضفاء الطابع الدستوري والطابع المؤسسي على فكرة المجتمع المدني هو عملية استيراد أخرى لمفهومٍ أيديولوجي. المجتمع المدني كما حدده هيجل هو نظام الحاجات والتعسف، المجال الذي تتفاعل فيه العلاقات بين الأفراد وفقاً لقواعد السوق. بالشكل الملموس، هو الفضاء الذي يفلت من تشريعات الدولة، ذلك الذي يبيع فيه العامل، الذي يفترض أن يكون رجلاً حراً، قوة عمله للرأسمالي، وفقاً للظروف العشوائية والمتغيرة لسوق العمل. تم تبني هذا المفهوم بهذا المعنى بالذات، أي مجال الحرية الذي يُخرِج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية من سيطرة الدولة، بحيث تضمن الدولة الحقوق السياسية في التصويت والتمثيل فقط. يشمل مفهوم المجتمع المدني مفهوم المنظمات غير الحكومية ولكنه يستبعد فكرة أنّ العمال يمكن أن يتدخلوا كفئةٍ اجتماعية توحدها المصالح المشتركة لأعضائها. إنّ إضفاء الطابع المؤسسي على المجتمع المدني سوف يخفّض من تمثيل الفئات الاجتماعية المختلفة عبر النقابات والمنظمات السياسية التي تعكس الاحتياجات والمطالب الاجتماعية، لتحل محلها المنظمات غير الحكومية التي ستغزو المجالات الإعلامية والأيديولوجية باسم « القيم » التي سيضطر الجميع للانحناء لها. إنّ المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية هي واحدة من أقسى الضربات التي تمّ توجيهها إلى شعوب العالم أجمع وعدّة الشغل بامتياز في جهاز الدعاية للنيوليبرالية. لا تهدف هذه المنظمات غير الحكومية إلى التملّص من سيطرة الدولة فحسب، بل إلى التنافس معها حتى في وظائفها السيادية، وبالتالي تقويض سبب وجودها تدريجياً.

إنّ دستور لارابا في النهاية ليس سوى إخضاع بلدنا إلى معايير الفكر الإمبراطوري المهيمن حالياً.

 تم إنتاج هذين الفيديوين في سبتمبر 2019 بهدف المساهمة في النقاش الفلسفي. لذلك فهما لا يشكلان انتقاداً لدستور لارابا. ومع ذلك، يمكن أن يكونا ذوي جدوى للتأمل في أنفسنا وتاريخنا.

محمد بوحميدي. الجزائر العاصمة. 22 اكتوبر 2020

روابط مقطعي الفيديو

وهم تامازغا ضد الهوية الجزائرية وقاعدتها النوميدية.

بين علم الحيوان والأنثروبولوجيا، ولادة العرقية والعنصرية الجزائرية

[1] https://collectifnovembrepourlesocialisme.family.blog/2020/09/08/sur-lhegemonie-linguistique-et-la-visee-de-hegemonie-politique-un-texte-de-gramsci-spour-comprendre-notre-propre-cas-algerien/?fbclid=IwAR1f9Q9bc7eoSqN5J-zq2F4A7YCplqmDGTfvHLoj8NPtsLGIOcNC7CzFG24

[2] https://www.lefigaro.fr/flash-actu/2011/11/21/97001-20111121FILWWW00348-plainte-de-philip-morris-contre-l-australie.php?fbclid=IwAR34g_ycamj6A-II_YTnORXYmtwAUXPpAFCO5wL_uuqrssOdplWXWxQ9DCE

Leave a Reply