Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Arts et littérature., Education - formation., Histoire

أنا أختنق » – من « جيمس بالدوين » إلى « راؤول بيك ». ارتباط الإستغلال الطّبقي بالإضطهاد . الطاهر المعز


راؤول بيك ( Raoul Peck )

 « أنا أختنق » – من الولايات المتحدة إلى فرنسا. ارتباط الإستغلال الطّبقي بالاضطهاد.   من « جيمس بالدوين » إلى « راؤول بيك

الطاهر المعز

راؤول بيك ( Raoul Peck  )، مُخرج سينما ومؤلف نصوص من “هايتي”، وُلد في عاصمتها (بور أو برنس) سنة 1953.

غادرت أُسْرَتُهُ موطنها، سنة 1961، هربًا من الحكم الدكتاتوري لأُسْرة “دوفالييه”، وعاشت في الكونغو.

تخرّج راؤول بيك مُهندسًا، من جامعة برلين، عاصمة جمهورية ألمانيا الديمقراطية (قبل أن تبتلعها ألمانيا الغربية، سنة 1990)، ولكنه زاول مهنة التّصوير الفوتوغرافي والصّحافة، وأخرج بعض الأشرطة القصيرة، قبل أن يدرس السينما في برلين، ويُنجز أول شريط طويل بعنوان “الرُّكْن الهيتي”، ثم أخرج شريطا عن الحكم الدكتاتوري لأُسْرة “دوفالييه”، وشريطا وثائقيا عن الزعيم الوطني الكونغولي “باتريس لومومبا”، الذي كان نسخة أولية للشريط الروائي الطويل عن “لومومبا” (سنة 2000)، وأخرج 18 شريطًا سينمائيًّا، أشهرها “لومومبا”، سنة 2000، و”مدرسة القُوّة”، سنة 2008، و”الشّاب ماركس”، سنة 2016، وهو شريط روائي طويل، دفاعًا عن أفكار كارل ماركس وفريدريك إنغلس، ونال الشريط شُهرة جعلته يبقى معروضًا لعدة أسابيع في قاعات عواصم الدول الإمبريالية…

عمل أستاذًا في جامعة نيويورك (1994)، قبل أن يُصبح وزيرًا للثقافة في هايتي

Raoul Peck vient de décrocher un grand prix aux États-Unis | Loop News

حصل “راؤول بيك” على جائزة “سيزار” لأفضل فيلم وثائقي سنة 2018 عن شريط ” I Am Not Your Negro ” وهو شريط يفضح العنصرية في الولايات المتحدة، اعتمادًا على الكتاب غير الكتمل للكاتب الأمريكي الأسود المناهض للعنصرية، بسُخْرِية، “جيمس بالدوين” ( 1924 – 1987 )، أخرج “راؤول بيك” الشريذ الوثائقي استنادًا إلى نصوص “جيمس بالدوين”، ليُحول الشريط إلى لائحة اتهام وشهادة إدانة للعنصرية، وليُعيد النظر في وقائع سنوات الدم والقهر والنضال من أجل الحقوق المدنية، من خلال اغتيالات “مارتن لوثر كينغ” و”ميدغار إيفرز” و”مالكولم إكس”…

ندّد “راؤول بيك” كذلك بالعنصرية بفرنسا (حيث يعيش، بشكل غير مستمر، منذ قرابة خمسة عقود) من خلال نص “أنا أختنق”، وهي العبارة التي رَدّدها “جورج فلويد” عندما كان الشرطي الأمريكي الأبيض يقتله خَنْقًا (راجع الفقرة اللاحقة)، ويربط راؤول بيك “العنصرية المُنتشرة بكثرة في المُجتمع الفرنسي، والتي يمكن ملاحظتها يوميا بالعين المحردة”، ب”الإرث الإستعماري الثقيل للغاية من الظُّلْم وإنكار الآخر، ومن السياسات التي تدعم الشركات الإحتكارية، التي تُحقق الربح من بُؤس العاملين بها من مهاجرين وفرنسيين فقراء… تَبْدُو العُنصرية واضحةً في الكلمات والإيماءات، لكن تبدو أوضحَ في قرارات الدّولة وفي القوانين العُنصرية، فيما لا تقوم أحزاب المعارضة والنقابات ووسائل الإعلام بدورها في فَضْح هذه الأساليب التي سوف تطال المُجتمع بأسره، ولن تقتصرَ على السود والعرب أو العاطلين عن العمل…

استلهم “راؤول بيك” النّص المُعَنْوَن “أنا أختنق” من حادثة اغتيال الشرطة الأمريكية للمواطن الأسود “جورج فلويد”، يوم 25 أيار/مايو 2020، واستلهم من أُسلوب “جيمس بالدوين”، الذي كان منخرطًا في النضال ضد الحَيْف الطّبَقِي الممزوج بالتمييز العنصري والجنسي، ويعتبر كتاباته امتدادًا للمجموعات التي تأسست منذ سنة 1917، من قِبَل السّود في الولايات المتحدة، مثل “عُصْبة الحُرّية” وصحيفة “الصّوت”، وكان الصحافي والكاتب الأسود (من حي هارلم) “لانغستون هيوز” (1902 – 1967) أحد منشّطي مجموعات الكتاب السّود، التي أنتجت نصوصًا وقصائد تُندّد بالعنصرية، وتدعو للحرية وللمساواة، واشتهر (جيمس بالدوين) بالموقف الواضح والقوي ضد الإستغلال الطبقي وضد الإضطهاد، وقاوم العنصريين البيض، ووسائل الإعلام، في المجتمع الأمريكي، منذ عقد الستينيات من القرن العشرين.

كتب راؤول بيك” نص “إني أختنق”، ونشره يوم 17 حزيران/يونيو 2020، بعد اغتيال “جورج فلويد” في الولايات المتحدة (يوم 25 أيار/مايو 2020)، لكن هذا الحادث كان تعلّة للحديث عن العنصرية بفرنسا التي ينكر حُكامها وأحزابها ونقاباتها وجود العنصرية، ويفتخرون بقِيَم الثورة الفرنسية والجمهورية (حرية مساواة أُخُوّة)، ولا يريدون رؤية أو سماع أخبار العنصرية التي تمارسها المؤسسات الرسمية أو الشرطة، ضد أبناء الفُقراء من العرب والسّود، ويُندّد المقال بالصّمت والجهل والأنانية وازدراء الآخرين، الذي يُمارسه المُستفيدون (قليلاً أو كثيرًا) من الممارسات العُنْصُرية التي تُفيد الرّأسماليين، عبر نشر الهشاشة وعدم المساواة وإلغاء الحُقُوق والمكتسبات، من أجل زيادة مكاسب هؤلاء الرأسماليين…

يعتبر “راؤول بيك” أن العنصرية لم تبدأ مؤخّرًا، ولم تأت من فراغ، بل “إنها جزء من تاريخ أوروبي عنيف، قد يكون بدأ في القرن الحادي عشر، عندما شنت أوروبا (الكاثوليكية) حربًا صليبية على المَشْرق العربي… ” (حروب الفرنجة)، ويعتبر “راؤول بيك” أن الحرب العالمية الثانية قد تكون نَشَرت “الديمقراطية والسلام والأمن في أوروبا، لكنها شنت حروبًا مستمرة في أماكن أخرى”، واستوردت أوروبا عُمّالاً مهاجرين لبناء البيوت وصنع السيارات وبناء الطرقات وجَمْع القمامة، لتبقى أوروبا نظيفة، يعيش مواطنوها في رفاهية، على حساب الغَيْر، دون أن يُثير هذا الوضع استنكار النقابات ومنظمات اليسار… “إن الإستغلال والإضطهاد والعُنصرية والميز واضطهاد النساء، “ليست مشكلة المتعرضين لها فحسب من سود وعرب ونساء ومُعطّلين عن العمل، بل إنها مشكلة كل مواطن، كل مؤسسة، بما في ذلك الصحافة، لكل مجلس إدارة، لكل اتحاد نقابي، لكل منظمة سياسية. يجب أن يأخذ كل مواطن نصيبه من العبء ويتوقف عن المراقبة عن بعد، وأن يتعرّف علىى سكّان الضواحي والأحياء الشعبية: كيف يعيشون وما هي وسائل العيش والنقل والترفيه المتوفرة…”

Alain Raimbault, écrivain: James Baldwin
جيمس بالدوين

عن “جيمس بالدوين”

ليس صدفة أن يستلهم “راؤول بيك” نُصُوصه وأشرطته السينمائية من كتابات وأفكار “جيمس بالدوين”، الذي عاصر مُؤسِّسي منظمة “عصبة الحرية” وصحيفة “الصوت”، والذين أنتجوا كتابات ومقالات وأشعارًا كانت بمثابة صرخة المواطنين الأمريكيين السود أمام العُنف والميز العنصري، وغياب المساواة والعدالة، وكتَبَ “جيمس بالدوين” عن الإقصاء والتهميش، واعتبر أن من دَوْرِ المثقفين والكتاب والفنانين زعزعة الثوابت والمُسَلّمات والأحكام المسبقة، التي تُعرقل تقَدُّمَ وتَطَوُّرَ المُجتمع كَكُل، وكتب في مقال بعنوان “العملية الإبداعية”، سنة 1962: “إنني لا أحاول حل مشاكل أي شخص، ولا حتى مشاكلي. أنا فقط أحاول تحديد ما هي المشاكل. أريد أن أكون متحررًا وقلقًا لأتجاوز قدراتي، وأجعلك تشعر بذات الشيء أيضًا… إن السّلم الإجتماعي لا يتحقق سوى عبر تحقيق السلام الدّاخلي في كُلٍّ مِنّا… ”

عكست كتابات “جيمس بالدوين” ثورته على الثقافة السائدة في المجتمع الأمريكي، وعكست وضعه الإجتماعي وظروف معيشته اليومية، كفرد أسود البشرة يعاني من الميز العنصري، وينتمي ينتمي إلى مجموعة بشرية مضطَهَدَة ومُستغلة، ووقع إقصاؤها بسبب لون بشرتها.

كانت الرواية الأولى لجيمس بالدوين بعنوان “اذهب وقُل ذلك فوق الجبل” ( Go tell it on the mountain ) سنة 1953، في صورة سيرة ذاتية، تنقد الواقع وتصف حياة السود بحي “هارلم” (نيويورك)، سنة 1930، وما كانت تتسم به من عنف ومضايقة العنصريين البيض، وكتب، سنة 1956، روايته “غرفة جيوفاني” ( Giovanni’s room ) التي تدور أحداثها في باريس، سنة 1950، وتنقد القيود الأخلاقية والضوابط الاجتماعية التي يفرضها المجتمع، وعموما، حَوّل “بالدوين” الكتابةَ إلى سلاحٍ يخدم نضاله ضد الميز العنصري، ومن أجل الحقوق المدنية للسود، وكانت تجمعه صداقة بمغنية الجاز “نينا سيمون” ومناضلي الحقوق المدنية للسود “مارتن لوثر كينغ” و”مالكوم إكس” و”ميدغار إيفرز”، ووقع اغتيال الرجال الثلاثة، فيما عاشت “نينا سيمون” بباريس، حيث لجأ “بالدوين” بدوره، سنة 1948، هربًا من “قتامة الحياة في أمريكا وثقل وقع الميز العنصري المسلط من المجتمع والسياسات الأمريكية، خلال فترة الخمسينيات والستينات”،  كما يقول بالدوين…

تمكن “راؤول بيك” من تعريف المُشاهدين بالنضالات الاجتماعية والسياسية للأمريكيين السود، وتمكّن من تعريفهم بأفكار وأنشطة “بالدوين” من خلال إخراج الشريط الوثائقي بعنوان “لستُ الزّنْجِي الخاص بك” ( I am not your negro )، سنة 2016، وحوّله إلى شهادة ناطقة عن ظُروف تلك الفترة، ومواكِبة للحركة السياسية والاجتماعية، زمن الميز العنصري، وعن آراء “بالدوين” حول العُنف والعنصرية في المجتمع الأمريكي، بدعم من الإعلام والسلطة السياسية، وتشجيعها لاستفزازات البيض ونَعت المواطنين السود بالزنوج (نِغرو)، وبث السّموم عبر وسائل الإعلام، واتهام المناضلين السود بممارسة العنف وبالهمجية والعنصرية، وحاول “جيمس بالدوين”، طيلة حياته، من خلال كتاباته، تحطيم “أسطورة تفوق الرجل الأبيض على بقية الأعراق، وادعائه المطلق امتلاك الحقيقة وصناعة التاريخ والحضارة، فالبشرة البيضاء هي حالة ذهنية لا أكثر…”

الطاهر المعز

Leave a Reply