Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Arts et littérature., Education - formation., Impérialisme, USA

آفة الخير. برونو غيغ. ترجمة علي إبراهيم

برونو غيغ. ترجمة علي إبراهيم

في الخطاب الذي تتمسّك به الولايات المتحدة منذ تأسيسها، هنالك شيء واحد مؤكّد: إنها دولة استثنائية. بوش أو أوباما، ترامب أو بايدن، لا شيء يتغير. هذه الفرضية حول الهوية، الكامنة في ثنايا اللاوعي الجماعي، تعبر التاريخ. مثل شاهد ينتقل خلسةً من رئيسٍ إلى آخر، فإن تلك الفرضية لا يطالها المسّ وتبقى نقيةً مثل لوائح القانون. لأنها في الواقع بمثابة البنيان الراسخ، وليست ظرفية. الأمر الفريد في الولايات المتحدة هو أنها تؤمن بأنّ سلطةً كونية قد تمّ إيكالها بها مدى الحياة. حيث تقوم بإبراز نفسها وراء البحار، باسم مهمّةٍ حضارية تكشف قبل كل شيء الفكرة المتعالية التي تملكها عن نفسها.

لا يوجد شيء أقل علمانية وأكثر عداءً للعلمانية من الأيديولوجية الأميركية. أمة الاستثناء تغلف شهيتها للسلطة في ثنايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكأنّ هذه المفاهيم المجردة تمثّل الآلهة التي أوكلتها بمهمة القضاء على الأشرار. بما أنها تجسيد للخير، أليس العالم تحت تصرّفها، العالم الذي هو الغرض المنفعل لدوافعها الإنقاذية؟ إنها توزع العدالة الملازمة لها والمصممة وفقًا لمقياسها، فالأمة ذات « القدر الساطع » لا تضع حدودًا لهالتها المطبوعة على حبّ الخير، لأنّها ترى فيها النتيجة المشروعة لتفوّقها الأخلاقي. إنّ قربها من الخير يضفي القداسة على قوّتها الأرضيّة، فتنطلق تطارد قوى الشرّ بلا هوادة وتقدّمهم قربانًا تكفيرًا عن جرائمهم.

خلال حملته الانتخابية، وعد جوزيف بايدن بالتخلّص من « ديكتاتوريين مثل كاسترو وبوتين ». ومع ادّعائه الفوز، أعلن أنّ « الولايات المتحدة مستعدة لحكم العالم ». بمجرد أن يتخذ السياسي مكان إقامته في البيت الأبيض، يصبح الأمر فوق طاقته: يجب أن يبدأ في الرغبة في حكم شؤون العالم، وأن يتناسب مع قالب المهمّة الكوكبية للأمة الإلهية. لقد اتهمت واشنطن بكين للتو بأنها تريد « السيطرة على العالم »، لكن يجب أن تكون مصابًا بالعمى المتعمّد حتّى لا ترى هذا الاتهام العكسي الخبيث.

وبما أنّ القناعة بالاختيار الإلهي، والتطابق مع إسرائيل الجديدة، وأسطورة « القدر الساطع » التي لا يمكن فهمها، قد تراجعت، على جميع الأصعدة، فقد تراجع كذلك الادّعاء المذهل  للأوليغارشية الأميركية بإخضاع الكوكب. معتبرين أنفسهم أنهم ملح الأرض، فقد أعطى البوريتانيون (أدعياء الطهرانية- من المترجم) المتزمتون الإشارة من أجل غزو « الأراضي البكر »، أي من أجل المذبحة على نطاقٍ واسع بحق ذوي البشرة الحمراء الذين تشابهوا مع الكنعانيين والعماليقيين. أوليس كل ما يأتي من أمة الله المختارة ينتمي مرةً أخرى إلى معسكر الخير؟ إنّ نجاح غزو العالم الجديد، الذي سرعان ما أفرغ من سكانه، أقنع الأميركيين بأنهم ينتمون إلى الشعب المختار. لقد أوصل إليهم الاقتناع بأنّ قوتهم كانت المكافأة الإلهية مقابل صفاتهم الأصيلة.

تقييم للذات واعتبارها تجسيد للخير ساعد على إعطاء المصداقية لفكرة أنه، في نهاية القرن العشرين، انتهى التاريخ بانهيار الاتحاد السوفيتي. وهكذا حقق انتصار الولايات المتحدة أنجح أشكال الديمقراطية الليبرالية. وفي تأليهٍ مهيب، منح هذا الانتصار فكرة اقتصاد السوق المثالية تجسيدًا ملموسًا. مع انتصار الديموقراطية الليبرالية، لاحت الجمهورية العالمية في الأفق أخيرًا. هذه الجنة الديمقراطية، التي توزع منافعها على الكوكب بأسره، من يستطيع أن يجسدها غير أميركا؟ إنّ مآثرها تحقق الغرض الإلهي، وتؤدي العناية الإلهية إلى انتصار الخير تحت الأنظار المنبهرة للشعوب المعترفة بجميل « نور الأمم »، أميركا التي تسير بهم بكلّ حزمٍ إلى أرض الميعاد لعالمٍ متصالح.

الأمر المذهل بين الأميركيين هو كيف يتزامن وعيهم الجيد مع خرابهم. إذ أنّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هائل، لكن 20٪ من السكان يقبعون في الفقر. العنف يسود، ويمثل المعتقلون الأميركيون 25٪ من السجناء في هذا الكوكب. يعاني أكثر من 30٪ من السكان من البدانة، والأزمة الصحية تعيث خرابًا. انخفض متوسط العمر المتوقع عن متوسط العمر المتوقع للكوبيين. لكن هذه الوقائع لا تُقاس في مواجهة الأساسيات، والواقع يمنّ بفضله علينا ببقائه متحفظًا. تقدّم أميركا الخيالية، المثالية أخلاقيًا، نفسها على أنها نظام مكتمل، تمحو كل آثار التناقض وتتطلع إلى المستقبل بثقة. إنه أمر غريب، لكن حتى عند الحديث عن الكوارث التي يتحملون مسؤوليتها، فإن قادة هذا البلد يظلّون يحتفظون بالابتسامة.

صحيح أنّ الأمة الاستثنائية تمارس آثارها النافعة مهما يكن من أمر. لأنّ أميركا محكوم عليها بأمرٍ إلهي أن تصبح إمبراطورية الأزمنة الأخيرة، فإنّ كلًا من مستقبلها وحاضرها كامن في أصلها. بعد أن أُنهكتْ قواها في مهمةٍ كوكبية، تستقبل أميركا « قدرها الساطع » بلفتةٍ إنقاذية تتحدى المكان والزمان. هذا هو السبب في وجود سرديةٍ تثقيفية لا تكفّ عن تمجيد عبقريتها. بسبب إعادة كتابة تاريخها الخاص كتاريخٍ مقدس، تجعل أميركا القانون الدولي يتصادم مع القانون الإلهي. إنّ القومية الأميركية ليست قومية عادية: فهي تعبّر عن غرور القوة التي تفترض تطابقها مع النظام الذي أراده الخالق. منذ مغادرة الآباء المؤسسين لأوروبا لتأسيس مجتمعٍ فاضل له انتصارات بطولية على قوى الشر، فإن التاريخ الأميركي هو أكثر من مجرد تاريخ: إنه المجيء الثاني للخير.

وبالتالي، فإنّ انتصار أميركا الذي لا يقاوم ليس أقلّ من إعادة خلقٍ خارقة للفردوس المفقود. ولكن لإنجاز مهمتها، تتعامل القوة الفاعلة للخير أيضًا مع الجحيم. إن القوى الشريرة والممانعة والمتمردة على النظام الإمبراطوري الذي أراده الله، يجب أن تخضع لعذاب النار، وللمنهج التربوي الصارم بواسطة سجادة القنابل والفحولة التوجيهية في كيفية التعذيب المصنوعة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية. الحرب باسم الخير يحكمها مبدأ لا تنحرف عنه أبدًا: إنها بضاعة للتصدير. نقوم بإدخال العنف إلى البلدان الأخرى تمامًا مثلما نقوم بتصدير البضائع إليها. إنّ هذه الحرب الإنقاذية التي يشنها الغرب الذي استعبدته واشنطن هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، كما قال كلاوزفيتز. ولكن سواء أصابت الشعوب أو الدول، فهي قبل كل شيء حرب أخلاقية ونظيفة ودقيقة كالعمليات الجراحية، حرب ضد « البربرية » و « الديكتاتورية ». شكل لتأزّمٍ بلغ أوجه في العلاقة بين الشمال والجنوب، استعارة دموية للتنمية غير المتكافئة، تضرب هذه الحرب في خارج، وليس داخل العالم « المتحضّر » أبدًا. عبر إعادتها إنتاج ازدواجية العالم، تتبنى بكل وداعةٍ الانقسام الكوكبي. حرب الأغنياء ضد الفقراء تشابه سبحة القنابل التي ألقيت على الكوريين والفيتناميين والكمبوديين واللاوسيين والعراقيين والفلسطينيين والسوريين والليبيين والأفغان واليمنيين. رمزها هو طائرات B 52 القاذفة الاستراتيجية، والنابالم ، والطائرة المقاتلة F-15، وصاروخ توماهوك، وطائرة بريداتور بدون طيار، كل آلة الموت المتطورة جدًا هذه تدار عن بعد، دون مخاطر، دون تكاليف عرضية لمن ينفذون العقاب القادم من السماء. إنها أيضًا الحرب بالوكالة، والحصار، والحظر، والحرب الاقتصادية، والزعزعة الغادرة للاستقرار، والعمل السرّي، والانقلابات التي تدبرها وكالة المخابرات المركزية، والتلاعب بالإرهاب، والمقاتلون من أجل الحرية من الجهاد العالمي والتكفيرالمدعوم ماليًّا، جميع هذه الحروب التي يشنها « العالم الحر » والتي تتعطش لها الديمقراطيات، تتم تحت قيادة إمبراطورية تعتبر نفسها قوةً انتقامية. إنّ أميركا آفة الخير

برونو غيغ. ترجمة علي إبراهيم

Leave a Reply