Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Education - formation.

الديمقراطيّة ومشهدها الاستعراضيّ: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

برونو غيغ

للديمقراطية مصير فريد: فهي لم تكن موجودة إلا على هوامش التاريخ، لكن الفكرة الخاطئة التي يمتلكها الخطاب السائد عنها تسمح لنا بفصل الغثّ من الثمين: الأنظمة الجيّدة من جهة والأنظمة السيّئة من جهةٍ أخرى. فلتنسب الدول المعاصرة إلى نفسها هذه الخاصّية المضحكة، حيث أنّ المسافة بين المثالية المعلنة والواقع الملموس مذهلة. حتى لو تمّ تخصيص مساحاتٍ للمناقشات، فهي ليست المكان الذي تمارس فيه السلطة السياسية: لا يخضع إصدار القوانين ولا تطبيقها للإجراءات الديمقراطية. في الواقع، إنّ ما نسمّيه الديمقراطية هو قبل كل شيء دعوة الناخبين من أجل الطلب إليهم تعيين ممثلين أو قادة لهم.

 إنّ النظام التمثيلي الذي روّج له ليبيراليو القرن التاسع عشر ليس الديمقراطية. إنه ليس فقط لا يشبهها، بل تمّ تصميمه من أجل إقصائها. من مونتسكيو إلى كونستان، بما في ذلك رجال عام 1789 ، لا يوجد شيء معادٍ للديمقراطية أكثر من الليبرالية السياسية الكلاسيكية. إنّ رفضها المروّع للديمقراطية يرقى إلى مستوى رفض السيادة الشعبية: ليس الشعب غير مؤهلٍ للحكم فحسب، بل إنّ مسألة ما إذا كان الشعب يضع القوانين أو يصادق عليها هي مسألة خارج البحث. إنّ النظام التمثيلي الذي أسسته البرجوازية من خلال تبريرها النظرية الليبرالية، هو حكم الأقلية وليس الديمقراطية. فقط حكومة القلّة، تلك النخبة المستنيرة العزيزة على مونتسكيو، هي الضامن للنظام الاجتماعي: هذا هو المذهب.

 الليبرالية الأوروبية غير ديمقراطية لدرجة أنها اختلطت جيدًا مع العبودية الجماعية، خاصة في الولايات المتحدة. « يحتفي توكفيل، معبود الليبيراليين، بواحدٍ من البلدان النادرة في العالم الجديد حيث تسود تجارة العبيد وتزدهر على أساسٍ عرقي والتي كان رئيسها جاكسون، حين قام الليبرالي الفرنسي برحلته، مالكًا للعبيد وبطلاً لسياسة الترحيل وإبادة ذوي البشرة الحمراء، يحتفي بها كمكانٍ للحرية » وهو ما يستذكره دومينيكو لوسوردو في كتابه الممتاز التاريخ المضاد لليبيرالية. يمكننا إذن أن نقيس الفجوة الهائلة بين ثورتين في نهاية القرن الثامن عشر: بين الرعب المطلق لجيفرسون، والاقتراع العام دون تمييزٍ بالعرق جوهر الجمهورية العزيزة على روبسبير. وإذا كان الاقتراع العام يشكل قلب الأيديولوجية الجمهورية المستوحاة من روسو، إلا أنه غريب تمامًا على الليبرالية. ا

لدولة الجمهورية الحقيقية، بالنسبة لروسو، هي دولة يمارس فيها الشعب كهيئة سياسية السيادة. لا يعني ذلك أنّ المواطنين يشغلون السلطة التنفيذية، لأن ذلك مستحيل في الدول الحديثة الكبيرة. لكن يجب أن يمارس الشعب السلطة التشريعية، التي هي جوهر السيادة. الشعب الحرّ هو الشعب الذين يطيع القوانين التي وافق عليها بنفسه. هذا الامتياز لا يعقل التنازل عنه لنواب منتخبين، لأن القانون الذي لم يصادق عليه الشعب صراحة ليس قانونًا. وبالتالي، فإنّ جمهورية روسو ليست ديمقراطية مباشرة، والتي يقول روسو إنها أكثر ملاءمةً « للآلهة منها للرجال ». إنها ليست دولة يكتب فيها الناس أنفسهم القوانين، وهو أمر غير عمليّ. إنها جمهورية عامة على النمط الروماني القديم حيث تحظى القوانين بموافقة شعبية صريحة.

 تنسب الأنظمة الغربية هذه التسمية لها، ومع ذلك فهي ليست ديمقراطيات بالمعنى السليم ولا جمهوريات بالمعنى الذي حدّده روسّو. إذ بينما يحدّد روسّو أنّ مواطن الجمهورية يكون ذاتًا سيدةً وموضوعًا خاضعًا في الوقت عينه، فإنّ مواطن الدول الحديثة هو مجرّد موضوعٍ لصاحب سيادةٍ وهمي. لأن السلطة التشريعية يتم الاستيلاء عليها من قبل الممثلين الذين انتخبهم هو لسنّ القوانين نيابةً عنه. بعد تجريده من سمات السيادة، يخضع الشعب لأوامر يتم نسبها إلى إرادته. ألم يصوّت؟ بمشاركته في الاقتراع ألم يوافق مقدّمًا على نتيجته؟ إنّ الحيلة العليا للديمقراطية البرجوازية هي أنها تقلب العملية الانتخابية ضد سيادة الشعب: منح القداسة لحقّ الاقتراع يعطي الشرعية لسلطة ليست للشعب، يطيعها الشعب معتقدًا أنه هو من اختارها. بعد وقوعه فريسةً للأوهام، يكتفي الشعب بالمشهد الهزليّ السخيف الذي يتمّ اعتباره الديمقراطية.

 لأن الناخبين ليسوا الهيئة السياسية، وعملية التصويت تخفي حقيقة الأوليغارشية تحت ستار الاختيار الديمقراطي. لطالما فكّرت الطبقات السائدة في درس توكفيل: « إنّ الاقتراع العام لا يخيفني، لأن الناس سوف يصوّتون كما قيل لهم ». عندما يقدّس الفكر المعاصر الشكلانية الانتخابية، يسمح لنفسه بالوقوع في شباك هذه الحيرة. لأن استبدال الناخبين بالهيئة السياسية يؤدي إلى تلاشي السيادة وذبولها. إذ يبدو تفكّك الروابط الاجتماعية وهميّ هناك، وتخرج علاقات الهيمنة بلا أضرار من عملية الاقتراع. من المفترض أن تسمح البرلمانية البرجوازية بالتعبير عن الإرادة العامّة، ولكنها، بحكم الواقع، تقوم بإخضاع تلك الإرادة لأعباء مجتمعٍ لا تسوده المساواة.

 في الديمقراطيات المزعومة، لا يتمّ التأكيد على السيادة الشعبية إلا من أجل التضليل، وهو تضليل مضاعف. من خلال آلية التمثيل التي تجرّد المواطن العادي لصالح الطبقة الحاكمة. ولكن أيضًا من خلال تجريدٍ أكثر عمقًا ينبع من العلاقات الطبقية. فالمجتمع لا يتكوّن من أفراد يتمتّعون بخصالٍ شكلية من الحرية والمساواة. بل هو شبكة من العلاقات الملموسة بين الأفراد الذين يخصص لهم تقسيم العمل مكانًا فريدًا. يتمّ تحديده من خلال العلاقات الاجتماعية التي يتمّ ترتيبها من خلال التقسيم بين من يملكون ومن لا يملكون. ولأنّ الأغنياء يمتلكون رأس المال فإنّ لديهم الوسائل للتأثير على السلطة السياسية.

 إنّ السياسة برمّتها هي مجال القوى، ما لم نبقى في حالة تجريدية، يجب أن نكرّر أن الظروف المادية للوجود تدخل في تعريف المشكلة. السياسة لا تعلو فوق المجتمع، وانتقال السلطة ليس خارجًا عن توزيع الثروة. هذا هو السبب في أنّ الديمقراطية تظلّ وهمًا طالما أنّ الأغنياء يجاورون الفقراء، وعدم المساواة بحكم الواقع يدمّر المساواة أمام القانون. إنّ التعامل مع السياسة بجدّيّة يتطلّب رؤية المجتمع ككلّ لا يكون فيه امتلاك وسائل الإنتاج عنصرًا تافهًا، بل مفتاح الآثام وسبب التناقضات.

 الانتخابات تقترب. هذه فرصة للتذكير بأنّ ظروف النضال في النظام البورجوازي تكون دائمًا غير مواتية لمن لا يملكون. ليست السياسة أبدًا مسرحًا شفّافًا تتساوى فيه الآراء. من المفترض أن تعزّز المنافسة على السلطة التعبير عن حقّ الاقتراع الشعبي، لكنها مدفوعة بالظروف الفعلية لممارستها. انتقل تنوّع الآراء، الذي تكيل الأيديولوجيا المهيمنة المدائح له، ليمرّعبر أسطوانة وسائل الإعلام التي تسيطر البرجوازية على استخدامها. وسائل الإعلام الجماهيرية هي وسيلة إنتاج المعلومات، والطبقة التي تملكها هي التي تدير إنتاج تلك المعلومات بما يتوافق مع مصالحها.

 « مصنع للسكوت »، كما وصفها تشومسكي، هي اختصاص الأوليغارشية المتخفّية في زيّ الديمقراطيات. إنّ الادعاء بأنّ احتكار وسائل الإعلام يتوافق مع الديمقراطية أمر منطقيّ بقدر القول بأنه متوافق مع العبودية. من خلال اختيار الطريق الانتخابي، يستسلم التقدّميون لسحر الشكلانية الديمقراطية. من السذاجة الاعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يغيّر المجتمع بالحصول على أغلبية برلمانية، كما لو أن النقاش الديمقراطيّ يمكن أن يولّد « الإرادة العامة » من خلال سحر النقاش الحرّ الذي لا وجود له في أيّ مكان.

 قبل الانخراط في النضال السياسيّ، فإنّ أسوأ الأمور هو التغاضي عن ظروفه الموضوعية. ولكن، في ظلّ الشروط التي وضعها المجتمع الرأسمالي، فإنّ اللعبة غير عادلة. من أجل قلب توازن القوى وضمان نجاح التحوّل الاجتماعي، من الضروري انتزاع وسائل الإنتاج من أيدي الطبقة الحاكمة. لكن هذه العملية عنيفة بطبيعتها وستولّد المقاومة. إذا كان لمصطلح الديمقراطية من معنى، فإنه يشير إلى عملية إعادة التملّك تلك. كلّ شيء آخر هو مجرد مشهد استعراضيّ، ستار من الدخان، رؤية مصابة بالهلوسة. 

برونو غيغ

Bruno Guigue 14/12/2020 

برونو غيغ*

موظّف كبير سابق، كاتب مقالات ومختصّ بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنيّة العليا وفي المعهد الوطنيّ للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدوليّة في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي تُرجمت إلى ثمان لغات. صدر كتابه الأخير « مقالات عن الإمبريالية » عن دار ديلغا للنشر في شهر كانون الثاني 2018 والذي كتب مقدّمته سمير أمين. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة « الإسرائيلية » في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة.المصدر:https://www.legrandsoir.info/la-democratie-et-son-spectacle-36752.html

Source : http://orhay.net/index.php?singlePage=MjQ4MA%3D%3D&fbclid=IwAR0DlAX2VvFvEGjCvBBVcrkn-E-uxqH6kzN6WbASo3vHn3DAhEEqLutTB6k

Leave a Reply