Ce site présente les études, réflexions et publications du "Collectif novembre pour la souveraineté nationale, une économie autocentrée et le socialisme." L'ordre des objectifs est notre ordre de priorité.

Algérie Politique, Algérie questions culturelles., Education - formation., Géostratégie, Histoire, Lutte de libération nationale., Questions internationales.

محمود الأطرش و علاقـتـه مع القـائـدين الشيوعـيين الإستقلاليين قدور بلقايم و أحمد اٌسماعلي

01A8216R; Algiers. Tomb of Kadour Belka m

«  وصلت مدينة الجزائر في شهر يونيو 1939, لا أتذكر اليوم الذي وطئت به قـدمي أرض الجزائر …

أتاني ذاك البحار الجزائري بعد ما رست الباخرة في ميناء الجزائر بأحد الرفاق النقابيين و أظنه فرانسوا سيرانو, وكل ما أتذكره أنه كان طويل القامة , نحيف الجسم, طلب مني ذاك الرفيق أن أسير بصحبته, إلى أن وصلنا إحدى المقاهي القريبة من المرفأ , و المجاورة لعمارة الشرطة المركزية , و بعد ما أجلسني أمام  إحدى الطاولات  القائمة على  رصيف الشارع الرئيسي طلب مني أن أنتظره قليلا, و عند عودته سرنا إلى مركز الحزب في الحي الأوروبي بباب الواد.

دخلنا بعض الغرف في الطابق الأول, و فيها كان يجلس شاب ذو لحية سوداء وراء طاولة كبيرة, علمت فيما بعد أن إسمه رولان رائيس , و قال له بعد ما أجلسني على إحدى المقاعـد:  » هذا هو الـرفيق السوري »,      و تركني مودعا في تلك الغرفة و ذهب لشأنه. بقي رولان متشاغلا عني يطالع بعض الأوراق ثم يطبقها,     و أنا أقابله في نفس الغرفة , و أخيرا وجه نظره إلي متسائلا لم أتذكـر شيئا مما قالـه لي , ثم ذهب إلى غـرفة مجاورة , و ما أن خرج منها حتى أومأ لي أن أتبعـه إلى تلك الغـرفة المجاورة , و بها وجدت الرفيق قـدور بلقايم أحد أمناء الحزب , و كنت على ما أتذكر قد رأيته في باريس صحبة الوفـد الجزائري, و بعـد السؤال عن الصحة و عن حالتي الشخصية, أخذ يحدثني عن مشروع إصدار جريدة باللغة العربية, و عـن ترجمة بعض النشـرات الحزبية. ثم أردف قائلا :  » غـير أن جهلك للغـة الفـرنسية سيكون أكبر عائق لك في العمل عندنا  », ثم عـرفني على اٌسماعـلي أحمد عضو اللجنة المركزية للحزب, و الذي طرد فيما بعد من صفوف الحزب. و في المساء اصطحبني الرفـيق قدور بلقايم  إلى شقة كان يقيم فيها مع رولان رائيس, و اٌسماعلي أحمد في حي باب الواد، نهج مونتان رقم 30 …

كثيرا ما كنت أسيـر في بدء قدومي للجزائر مع اٌسماعـيلي أحمد , الذي عرفني على الأماكن الحزبية مثل نادي  »هانري باربوس » و نادي الشبيبة الشيوعـية في باب الواد. كنا كثيـرا ما نذهب للغـذاء معا في مطعـم مزيان في ساحة مكماهـون  و يسميها العـرب  »بلاصة ماعـون » بالقـرب من ميدان الحكومة  »بلاصة العـود » و بواسطته تعـرفت على الرفيق العربي بوهالي و كان مسؤولا عن « المساعدة الشعبية الجزائرية », و كنت قد تعرفت عليه عندما كان طالبا في موسكو عام 1936.

أذكـر أني طلبت مرة من اٌسماعـلي أحمد الجلوس سوية في أحـد المقاهي العـربية والتحدث قـليلا مع الجالسين,فـنظـر إلي باٌستغراب, قائلا أتريد أن يقتلوننا ؟ فأجبته و لماذا يقتلوننا ؟ فقال: إذا علموا بأننا شيوعيين فسيقتلوننا لا محالة. و كـم من المرات أظهر له رغبتي في التجول معه في حي القصبة العربي, الذي سمعت عنه الشيء الكثير آنئذ فكان إما يراوغـني أو يرفض مطاوعـتي.

سألته يوما أين نحن من قضية تكوين الجبهة الوطنية في الجزائر, فأشار إلى رولان رئيس أن يقدم النشرة الداخلية باللغة الفـرنسيـة, و فـيها يتوجه الحزب إلى الإشتـراكييـن الديمقـراطيين, من أجل تكـويـن جبهـة شعـبية, و لما سـألـته عـن عدد الإشتراكيين الديمقراطيين في الجزائر, ومدى تأثيرهم على الجماهير العاملة العربية ؟ أجاب لا أدري, فقلت له علمت من الرفيق علي دبابيش في باريس, أن عددهم ضئيل, و ليس لهـم أي تأثير على الجماهير العاملة العـربية, و ليس لديهـم من العرب سوى ثلاثة أو أربعة أعضاء بينهم صحفي يدعى عزيز قسوس عـرفني عليه في باريس. و الأفـضل حسب رأيي قلت له هو التوجه نحو الأحزاب       و المنظمات القـومية لتحقيق مثـل هذه الجبهة و بالأخـص نحو حزب الشعب الجزائري, لأنه أكبر حزب جماهيري هنا في الجزائر. فأجاب إنه حزب فاشي و هو أكبر المقاومين لحزبنا.

كان الرفيق قدور بلقايم كثيرا ما يصحبني معه في الأمسيات إلى إجتماعات الفـرق الحزبية, التي لم أشاهد فيها رفيقا عربيا إلا ناذرا. قال لي مرة ستجتمع في فرقة هنا بباب الواد و سيعـطونك بطاقة الحزب, و سألني رأيي, فأجبته إنني أعـتبر ذلك شرف لي أن أناضل في صفـوف الحزب الشيوعي الجزائري، و كنت أأمل فـيه الخير للحزب و الحركة الوطنية. اٌنتظمت منذ شهر يوليو 1939 في خلية حزبية من خلايا باب الـواد    و كنت الرفـيق العـربي الوحيد فـيها, و هكـذا أصبحت عـضوا رسميا في الحزب الشيوعي الجزائري. إن كل من عـرفـتهم من الرفاق العـرب آنئذ لا يكاد يتجاوز عـددهـم أصابع اليدين, و أكثرهم متخلق بأخلاق الفرنسيين و مطبع على عـوائدهم…

إذ هاجمت الشرطة الفرنسية في أواخر شهر يوليو 1939 مركز الحزب الشيوعي الجزائري,واٌعتقلت الرفيق قدور بلقايم أميـن الحـزب, و كل من وجـد داخل المـركـز, و أخذت حملات الإعـتـقـالات تتـوالى و يـشتـد الإرهاب على الشيوعـييـن و التقدميين و الوطنيين.

فوجئت في أواخر شهر أغسطس بدق ناقوس الشقة التي أقيم فيها, و عندما فتحت باب الشقة لأرى ما الخبر,وإذا بي وجهـا لوجه أمام أحد رجال الدرك, و لما سألته عما يريد, أجاب أريد رولان رائيس, قلت له إنه ليس هنا, فقال وأنت من تكون ؟ أجبته بأنني أقطن في نفس الشقة, ما إسمك ؟ سألني الدركي, قلت محمود المغربي … و أمرني بالسيـر أمامه و كان يسيـر خلفي شاهرا مسدسه …حتى وصلنا مركز الشرطة الخامس في حي باب الواد و تركني هناك حتى المساء, إلى أن أتى من اٌقتادني إلى مركز الدرك في حي سانتوجان   و هناك قضيت ليلتي مع أحد الفارين الجزائريين من الجندية.

نقـلت في الصباح الباكر إلى دار المحافـظة (بريفيكتور) حيث مررت بـقـسـم التصوير, و عـرضت أمام مختلـف الأجهـزة و المقاييس, و أخيرا عـرضت مع بعـض المساجين أمام هيئة تحقـيـق في قـصر العـدلية  التي أمرت بسجني, و في المساء نقلت مع عشرة آخرين إلى سجن بارباروس في حي القصبة …

إلتقيت مرارا بالرفيق قدور بلقايم داخل السجن, لدى خروجي للفسحة.كنت أدخل خلسة المربع الموجود فيه, و الغريب أن  »البـريفو » كان ممن يسهلون لي هذا اللقـاء, و ذلك لأن في المربع كانت حرية التنقل و الكلام مطلقة للجميع, و في المربع كانت تقوم أعمال التحريض و تنظيم أعمال المقاومة بعكس الصالة, التي لا يمكن التنقل داخلها إلا بإذن من  »البريفو ».

سألني الرفيق قدور بلقايم في المرة الأولى عن أحوالي, فأجبته إن الحياة في السجن  لا تطاق, و تـشابه الحياة في عهـود الرق و الإقطاع, و ضحك كثيرا من هذا التعبير الذي أعجبه. كنا نتجاذب أطراف الحديث عن الأوضاع السياسية, و دور الإتحاد السوفيتي في السياسة العالمية, و أبديت له سروري بمعاهـدة  عـدم الإعتداء, التي تم عـقـدها بين الإتحاد السوفـيتي و الدولـة الألمانية الهتلـرية,و وددت كما قـلت له, لو كان لدي شيء من الدراهـم شراء بضعة كيلـوات من العـنب أقـدمها للشغالين مقابل هذا الخبر السار, و كان هـو أيضا يبادلـني السـرور, و لـو بقي حيا لأختلف وضعـي تماما داخـل الحـزب الشيوعي الجزائري, لجرأته و لتعلقه أكثر من غـيره بقضايا التحرر الوطني, و اٌستقلال الجزائـر, لذلك أسميت إبني البكـر بإسمه قـــدور.

الآن فقط قلت له اٌقتنعت باٌنهيـار الجبهة التي طالما حاول الإمبرياليون البريطانيون  و الفـرنسيون إقامتها مع الهتلـريـيـن  الألمان ضد الإتحاد السوفيتي, و بمدى الهوة التي حفـرها الهتلريون, بتوقـيعهم تلك المعاهدة, بينهم و بين هاتين الدولتيـن الإمبرياليتين.

أعلمت الرفيق قدور بلقايم, الذي شعرت لأول وهلة بوجود شيء عام و مشترك بيننا, في إحدى مقابلاتي معه بما لمستـه مـن شعـور السجناء الجزائـريين, الذين لا يفكـرون إلا في أقـطار الشرق العـربي, و لا يهتمون إلا بأخبار مصر, سوريا, العراق و باقي أقطار الشرق العربي, و يشعرون من صميم أعماقهم بأنهم جزء لا

يتجزء عن باقي الأقطار العربية,كانوا لا يسألوني إلا عن أخبار سوريا و مصر و فلسطين, ولا يستعذبون الحديث إلا عن الشرق وأخبار الشرق, وكان بعضهم يبكي لسماعه تلك الأخبار, لا سيما أخبار البطولة التي أبداها الثوار السوريون و المصريون و العراقيون و الفلسطينيون خلال ثوراتهم  التحريرية, و بما ألمسته لديهم من عـداء و كره لا حد له لكل ما هو فـرنسي.

و ذلك ما يعكس ما كنت ألمسه داخل حزبنا من عدم إهتمام كلي لا بالشرق ولا بكل ما يأتي من الشرق, بينما كان الإهتمام كله موجها نحو فرنسا و أوضاع فرنسا,وأخبار فرنسا فقط. فكأن الحزب من هذه الناحية يعيش مع الأقلية القومية الأوروبية في واد, و الشعب الجزائري في واد آخر. و أظن قلت له من المستحسن الجمع بين الطرفـين, و كان هـذا العـمل من جانبي أول محاولة قصدت منها المساعـدة على تنقيح سياسة حزبنا.

كان السجناء يدعونني محمود القدسي … طلبت … إرسال كافة المعلومات …إلى المحامي مسيو  » بونـتـيـر » الذي أوقفته الإغاثة الشعبية للدفاع عني, و بعد بضعة أسابيع مثلت أمام المحكمة, التي أمرت بإطلاق سراحي

أقمت بعد خروجي من السجن بمدة قليلة مع الرفيق العربي بوهالي, و كان يعمل محاسبا في نفس  » تعاونية العمال » للبناء التي كنت أشتغل فيها,في حي تقاران … كانت لي مفاجئة كبرى عندما وجدت يوما الرفيق قدور بلقايم عندنا في الشقة مع الرفيق العـربي, و كان قد أطلق صراحه من السجن, و قضى ليلته معنا, غـير أني لم أعـرف لأي سبب لـم يدخل الرفـيـق قدور العمل السري في الحال إثر خروجه من السجن, مع أن الحزب كما بدا لي بحاجة آنذاك إلى القيادة السرية,و عزوت ذلك لجهلي تماما لحقيقة الوضع داخل الحـزب ذاك العهـد. و سمعت فـيما بعد أن قدور اٌعـتقـل في اليوم التالي من إطلاق سراحه, لأن الشرطة كانت تبحث عنه, و توفي في السجن العسكري, بعد ما رفض مدير السجن العسكري إطلاق سراحه, رغم خطورة مرضه,و رغم رأي الأطباء, قائلا: » لن أطلق سراحه ولو بقي من عمره دقيقة واحدة حتى يموت في السجن » و كنت من آن لآخر أقـوم بزيارته في المستشفى العـسكـري …

Tombe de Kaddour Belkaïm.

إنتقلت بعـد اٌعتقال الرفيق العـربي بوهالي إلى منزل الرفيق علي مبروك … بلغـني يوما هذا الحلاق بأن إثنين من الأمن العام سألاه إذا كان يعرف شيئا عن رجل سوري و صنعته بناء وهو كومنيست…قال لي فأجبتهما بالنفي و أظنهما يبحثان عنك و من المحتمل أنهما ذهبا للمنزل الذي تقطن فيه…

و سأعمل ما باٌستطاعتي كي لا أمكن الشرطة من اٌعتقالي … قـصدت منزل صديقي الرفـيق قـراجيان  لأطلعه على جلية الخبر, و قادني هو بدوره إلى مخزن الرفيق مارتي و كان يعمل في نجارة الموبليا …

إتصل بي الرفيق اٌسماعيلي أحمد مع بعض الرفاق الأوروبيين, و اٌنتقلت فيما بعد للعمل السري معهم, في حي »نوتـردام دافريك » و  »سانتوجين » و بيلكور. كنت أحضر بعض الإجتماعات السرية, و أتـرجم بعض المناشير و النشرات الحزبية, وأسهم أحيانا في طبعها مع أحد عمال المطبعة,الرفيق باريس جوزيف, طرد من الحزب فيما بعـد,وكتابة بعض المقالات, و قـد بـدا لي وجود خلاف بين الرفاق اٌسماعيلي أحمد و علي دبابيش و بعـض الـرفاق الأوروبييـن من جهة, و الرفـاق الإسبانيين من جهة أخرى, إلا أن أحدا لم يطلعني على ماهية الخلاف…

عدت يوما للمنزل السري في حي  »نوتردام دافريك » فلم أجد به أحدا و وجدت حقيبتي و قد نثرت أمتعتي حولها, و اٌفتقدت شهادة الهوية التي أتتني من بيروت فلم أجدها.فعرفت أن شيئا قد حدث …قصدت …منزلنا السري في حي بلكور, فوجدت البوابة … و ما أن رأتني حتى أشارت لي بالرجوع …

اٌتصلت فيما بعد بالرفيق قراجيان, و علمت منه بخبر اٌعتقال الكثير من الرفاق و حكم على 47 منهم بالإعـدام أمثال بـول كباليرو, بولين لينوار… و غيرهما… »          

                                         المصدر:    محمود الأطرش ـ مذكرات ـ القسم الثاني , الجزء الأول. مخطوط , نوفمبر 1972, برلين.                   

Leave a Reply